حجم الخط:

الآيات (65-72)

الآية (65): كما جَعَل تعالى القرآن حياةً للقلوب الـمَيِّتَة بكفرها، كذلك يُحْيِي الأرض بعد موتها بما يُنْزِلُهُ عليها من السماء من ماء، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي: يفهمون الكلام ومعناه.

الآية (66-67): يقول تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ أيها الناس ﴿ فِي الْأَنْعَامِ وهي: الإبل والبقر والغنم ﴿ لَعِبْرَةً أي: لآية ودلالة على قدرة خالقها وحكمته ولطفه ورحمته، ﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ وأَفْرَدَ ههنا الضمير عَودًا على الحيوان؛ فإن الأنعام حيوانات، أي: نُسْقِيكُم ممَّا في بطن هذا الحيوان. ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا أي: يَتَخَلَّصُ بياضه وطعمه وحلاوته من بين فَرث ودمٍ في باطن الحيوان، فيَسري كلٌّ إلى موطنه، إذا نَضَج الغذاء في معدته تصرَّف منه دمٌ إلى العروق، ولبن إلى الضّرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى الـمَخْرَج، وكل منها لا يَشُوب الآخر ولا يُمازِجُه بعد انفصاله عنه، ولا يَتَغَيَّر به. وقوله: ﴿ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ أي: لا يَغَصُّ به أحد.

ولَـمَّا ذَكَر اللبن وأنه تعالى جَعلَه شرابًا للناس سائغًا، ثَنَّى بذِكر ما يتَّخِذُه الناس من الأشربة من ثمرات: النخيل، والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ الـمُسْكِر قبل تحريمه؛ ولهذا امتنَّ به عليهم فقال: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ، قال ابن عباس في قوله: ﴿ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا : السَّكَر: ما حُرِّمَ من ثَمَرَتَيْهِما، والرزق الـحَسَن ما أُحِلَّ من ثَمَرَتَيْهِما. ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ناسب ذِكْر العقل ههنا؛ فإنه أشرف ما في الإنسان؛ ولهذا حَرَّم الله على هذه الأمةِ الأشربةَ الـمُسْكِرَةَ صيانةً لعقولها.

الآية (68-69): ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ المراد بالوحي ههنا: الإلهام والهداية والإرشاد ﴿ إِلَى النَّحْلِ أن تَتَّخِذَ ﴿ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا تأوي إليها، ﴿ وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثم هي مُحكَمة في غاية الإتقان في تَسْدِيسِها ورَصِّهَا، بحيث لا يكون بينها خلَل. ثم أَذِنَ لها تعالى إذنًا قدريًّا تسخيريًّا أن تأكل من كل الثمرات، وأن تَسلُكَ الطُّرُق التي جعلها الله تعالى لها مُذَلَّلَةً، أي: سهلة عليها حيث شاءت. وقال قتادة وابن أسلم: ﴿ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ، أي: مطيعةً. فجعلاه حالًا من السالكة. والقول الأول أظهر، وهو أنه حال من الطريق؛ أي: فاسلكيها مذلَّلةً لك، نصَّ عليه مجاهد. وقال ابن جرير: كِلا القولين صحيح. وقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ أي: ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها.

وقوله: ﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ أي: في العسل شفاء للناس من أدواء تَعْرِضُ لهم. في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله : «الشفاء في ثلاثة: في شَرْطةِ مِحْجَم، أو شربة عسل، أو كيَّةٍ بنار، وأنهى أمتي عن الكَيّ». وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي: إن في إلهام الله لهذه الدوابِّ الضعيفة الخِلْقَة إلى السلوك في هذه المهامه[1] والاجتناء من سائر الثمار، ثم جَمْعِهَا للشمع والعسل، وهو من أطيب الأشياء ﴿ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في عظمة خالقها ومُقدِّرها ومُسخِّرها ومُيَسِّرها، فيَستَدِلُّون بذلك على أنه القادر الحكيم العليم، الكريم الرحيم.

الآية (70): يخبر تعالى عن تصرُّفه في عباده، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم، ثم بعد ذلك يتوفَّاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهَرَم -وهو الضَّعْف في الخِلْقَة- كما قال الله تعالى: ﱡﭐ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم: 54].

وقد روي عن علي رضي الله عنه في أرذل العمر قال: خمس وسبعون سنة. وفي هذا السن يحصل له ضَعْف القوى والـخَرَف وسوء الحفظ وقلة العلم؛ ولهذا قال: ﴿ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا أي: بعد ما كان عالمًا أصبح لا يدري شيئًا من الفَنَد والـخَرَف. وعن أنس بن مالك أن رسول الله كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل، والهرم وأَرْذَلِ العُمُرِ، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات» [متفق عليه].

الآية (71): يُبيِّن تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء، وهم يعترفون أنها عبيد له، فقال تعالى منكرًا عليهم: إنكم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيده له في الإلهية والتعظيم؟! قال ابن عباس في هذه الآية: لم يكونوا لِيُشْرِكُوا عَبِيدَهُم في أموالهم ونسائهم، فكيف يُشْرِكُونَ عَبِيدِي معي في سلطاني؟! فذلك قوله: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ، وقال في الرواية الأخرى عنه: فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟! وقال قتادة: هذا مَثَل ضَرَبه الله، فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته وفي فراشه، فتعدلون بالله خلقه وعباده؟! فإن لم ترضَ لنفسك هذا، فالله أحقُّ أن يُنَزَّه منك.

وقوله: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي: إنهم جعلوا لله ممَّا ذَرَأَ من الحرث والأنعام نصيبًا، فجَحَدوا نعمته، وأشركوا معه غيره.

الآية (72): يذكر تعالى نعمه على عبيده، بأن جَعَل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشَكلِهم، ولو جَعَل الأزواج من نوع آخر لَـمَا حَصَل ائتلاف ومودة ورحمة، ولكن من رحمته خَلَق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا للذكور.

ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والـحَفَدَة، وهم أولاد البنين. قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك وابن زيد. قال ابن عباس: ﴿ بَنِينَ وَحَفَدَةً : هم الولد وولد الولد. وقال مجاهد: ابنه وخادمه. وقال في رواية: الـحَفَدَة: الأنصار والأعوان والخُدَّام. وقال عكرمة: الـحَفَدَة: مَنْ خَدَمَك من ولدك وولد ولدك. قال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى: «الحَفْد» وهو الخِدمة، ولَـمَّا كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والأصهار والخدم، فالنعمة حاصلة بهذا كله؛ ولهذا قال: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً .

﴿ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ : من المطاعم والمشارب. ثم قال تعالى منكرًا على من أشرك في عبادة الْـمُنْعِم غيرَه: ﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وهم: الأصنام والأنداد، ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ أي: يسترون نِعَم الله عليهم ويُضِيفونها إلى غيره.