الآية (65-66): ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: من حيوان وجماد وزروع وثمار؛ كما قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ [الجاثية:13] أي: من إحسانه وفضله وامتنانه.
﴿ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بتسخيره وتسييره، أي: في البحر العَجَاج، وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة، ورِفْق وتُؤَدَة، فيَحمِلُون فيها ما شاؤوا من تَجَائِر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذَهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، ممَّا يحتاجون إليه، ويطلبونه ويريدونه.
﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ أي: لو شاء لأذن للسماء فسَقَطَت على الأرض، فهَلَكَ من فيها، ولكن من لُطْفِه ورحمته وقدرته يُمسِكُ السماء أن تَقَع على الأرض إلا بإذنه؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: مع ظلمهم؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الرعد:6]. وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ﴾ كقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [البقرة:28]، وقوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [الجاثية:26]، وقوله: ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ﴾ [غافر:11] ومعنى الكلام: كيف تجعلون مع الله أندادًا وتعبدون معه غيره، وهو الـمُسْتَقِلُّ بالـخَلْق والرزق والتَّصَرُّف، ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ﴾ أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا يُذكَر، فأَوجَدَكم، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ﴾ أي: جَحُود.
الآية (67-69): يخبر تعالى أنه جَعَل لكل قوم مَنْسَكًا. قال ابن جرير: يعني: لكلِّ أمةِ نبيٍّ مَنْسَكًا. قال: وأصل الـمَنْسَك في كلام العرب: الموضع الذي يعتاده الإنسان، ويَتَرَدَّد إليه، إما لخير أو شرٍّ. قال: ولهذا سُمِّيَت مناسك الحج بذلك، لِتَرْدَادِ الناس إليها وعكوفهم عليها. فإن كان كما قال من أن المراد: لكلِّ أمةِ نبيٍّ جعلنا مَنْسَكًا فيكون المراد بقوله: ﴿ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ﴾ أي: هؤلاء المشركون. وإن كان المراد: لكل أمة جعلنا مَنْسَكًا جَعْلًا قَدَرِيًّا؛ كما قال: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ [البقرة:148] ولهذا قال ههنا: ﴿ هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾، أي: فاعلوه، فالضمير ههنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق؛ أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قَدَر الله وإرادته، فلا تَتَأَثَّر بمنازعتهم لك، ولا يَصرفُك ذلك عمَّا أنت عليه من الحق؛ ولهذا قال: ﴿ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُسْتَقِيمٍ ﴾ أي: طريق واضح مستقيم مُوصِل إلى المقصود. وهذه كقوله: ﴿ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ﴾ [القصص:87]. وقوله: ﴿ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ كقوله: ﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس:41].
وقوله: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ تهديد شديد، ووعيد أكيد؛ كقوله: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ [الأحقاف:8]؛ ولهذا قال: ﴿ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾. وهذه كقوله: ﴿ فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ﴾ الآية [الشورى:15].
الآية (70): يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا يَعزُب عنه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى عَلِم الكائنات كلها قبل وجودها، وكَتَب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثَبَت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل خَلْق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عَرشُه على الماء». وحديث جماعة من الصحابة؛ أن رسول الله ﷺ قال: «أَوَّل ما خَلَقَ الله القلمَ، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن. فجَرَى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. وهذا من تمام علمه تعالى أنه عَلِم الأشياء قبل كونها، وقَدَّرها وكَتَبَها أيضًا، فما العباد عاملون قد عَلِمَه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه، فيَعلَم قبل الـخَلْق أن هذا يُطِيع باختياره، وهذا يَعصِي باختياره، وكَتَب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علمًا، وهو سهل عليه يسير لديه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾.
الآية (71-72): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما جَهلوا وكفروا، وعَبَدوا من دون الله ما لم يُنَزِّل به سلطانًا، يعني: حجةً وبرهانًا؛ كقوله: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المؤمنون:117]. ولهذا قال ههنا: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: ولا عِلمَ لهم فيما اخْتَلَقُوه وائْتَفَكُوه، وإنما هو أَمرٌ تَلَقَّوه عن آبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا حجة، وأصله ممَّا سَوَّل لهم الشيطان وزيَّنه لهم؛ ولهذا توَعَّدَهم تعالى بقوله: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾ أي: من ناصر ينصرهم من الله، فيما يَحِلُّ بهم من العذاب والنكال. ثم قال: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: وإذا ذُكِرَت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حَقٌّ وصِدْق، ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ﴾ أي: يكادون يُبَادِرُون الذين يحتجُّون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويَبسُطُون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء، ﴿ قُلْ ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء: ﴿ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكُمُ ۗ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: النار وعذابها ونكالها أشدُّ وأشقُّ وأَطَمُّ وأعظم ممَّا تُخَوِّفُون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صَنِيعكم هذا أعظَم ممَّا تنالون منهم، إن نِلْتُم بزَعْمكم وإرادتكم.
وقوله: ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ أي: وبئس النار منزلًا ومَرْجِعًا ومَوئلًا ومُقَامًا ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:66].