الآية (65): قوله: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ أي: خالق ذلك ومدبّره، والحاكم فيه والمتصرف الذي لا مُعقِّبَ لحكمه، ﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ قال ابن عباس: هل تعلم للرب مِثلًا أو شبيهًا. قال عكرمة: عن ابن عباس: ليس أحد يسمى الرحمن غيره تبارك وتعالى، وتقدس اسمه.
الآية (66-70): يخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [الرعد:5]، وقال ههنا: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾. قوله: ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ يستدل تعالى بالبداءة على الإعادة؛ يعني أنه تعالى خلق الإنسان ولم يك شيئًا، أفلا يعيده وقد صار شيئًا؟! كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم:27]. قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ﴾ أقسم الرب تبارك وتعالى بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ﴾ قعودًا، كقوله: ﴿ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ﴾ [الجاثية:28]، وقال السدي في قوله: ﴿ جِثِيًّا ﴾: يعني قيامًا. قوله: ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ يعني: من كل أمة. قاله مجاهد. ﴿ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا ﴾ قال ابن مسعود: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة، أتاهم جميعًا، ثم بدأ بالأكابر، فالأكابر جُرمًا. وقال قتادة: ثم لننزعنّ من أهل كل دين قادتهم في الشر. قوله: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا ﴾ «ثم» ههنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد: أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يُصلَى بنار جهنم ويخلَّد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب؛ كما قال في الآية: ﴿ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:38].
الآية (71-72): عن عبد الله -هو ابن مسعود- ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ قال رسول الله ﷺ: «يرد الناس النار كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. عن أم مبشر -امرأة زيد بن حارثة- قالت: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة، فقال: «لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية» قالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ [رواه مسلم]. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسُّه النار، إلا تَحِلَّةَ القسم» [متفق عليه]. قال عبد الرزاق: يعني الورود. وقال أبو داود الطيالسي: قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾. وعن ابن مسعود في قوله: ﴿ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ قال: قسمًا واجبًا. وقال مجاهد: ﴿ حَتْمًا ﴾ قضاءً. وقوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أي: إذا مرّ الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجَّى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم. فجَوازُهم على الصراط، وسرعتُهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يُشفَّعُون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيُخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم -وهي مواضع السجود- وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيُخرجون أولًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يُخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يُخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: «لا إله إلا الله» وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ.
الآية (73-74): يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان: أنهم يصدون عن ذلك، ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم: ﴿ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ أي: أحسن منازل وأرفع دورًا وأحسن نديًّا، وهو مجمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم ابن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟! كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف:11]؛ ولهذا قال تعالى رادًا عليهم شبهتهم: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ﴾ أي: وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم ﴿ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ﴾ أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا وأمتعةً ومناظرَ وأشكالًا.
الآية (75): يقول تعالى: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد، لهؤلاء المشركين بربهم المدّعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل: ﴿ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ ﴾ أي: منا ومنكم ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ﴾ أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه، حتى يلقى ربه وينقضي أجله، ﴿ إِمَّا الْعَذَابَ ﴾ يصيبه ﴿ وَإِمَّا السَّاعَةَ ﴾ بغتة تأتيه، ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ حينئذ ﴿ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴾ أي: في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي. قال مجاهد في قوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ﴾: فليدَعْه الله في طغيانه. هكذا قرر ذلك ابن جرير رحمه الله. وهذه مُباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود، وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى.
الآية (76): لما ذكر تعالى إمداد مَن هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هُدى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ ﴾ الآيتين [التوبة:124]. وقوله: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾ قد تقدم تفسيرها والكلام عليها في سورة «الكهف»[1] ﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا ﴾ أي: جزاءً، ﴿ وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ أي: عاقبة ومردًّا على صاحبها.