الآية (66-68): يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أُمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه؛ لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه تعالى بما لم يكن لو كان فكيف كان يكون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ الآية.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما يُنهون عنه ﴿ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ قال السُّدي: أي: وأشد تصديقًا ﴿ وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا ﴾ أي: من عندنا ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ يعني: الجنة ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
الآية (69): ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾ أي: من عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين، وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم.
ثم أثنى عليهم تعالى فقال: ﴿ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾ عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يَمْرَضُ إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة» وكان في شكواه الذي قُبض فيه، فأخذته بُحَّة شديدة، فسمعته يقول: ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ فعلمتُ أنه خُيِّر. [متفق عليه]. [سبب النزول]: روى ابن جرير عن سعيد بن جُبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: «يا فلان، ما لي أراك محزونًا؟» قال: يا رسول الله، شيء فكرت فيه، قال: «ما هو؟» قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدًا تُرفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يردّ النبي ﷺ عليه شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ الآية. فبعث النبي ﷺ فبشّره. وقد روي هذا الأثر مرسلًا عن مسروق وعن عكرمة وعامر الشَّعْبي، وقتادة، وعن الربيع بن أنس، وهو من أحسنها سندًا. وثبت عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبِيتُ عند النبي ﷺ فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: «سَلْ». فقلت: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أوَغَيْرَ ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فَأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» [رواه مسلم]. وعن عمرو بن مُرَّةَ الجُهَنِيّ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأدّيت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان؟ فقال رسول الله ﷺ: «من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا -ونصب إصبعيه- ما لم يعقَّ والديه» [رواه أحمد وصححه الألباني].
وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة: أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال: «المرء مع من أحب». قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله ﷺ، وأحب أبا بكر وعمر وأرجو أن يبعثني الله معهم وإن لم أعمل كعملهم [رواه البخاري ومسلم].
الآية (70): قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: من عند الله برحمته؛ هو الذي أهَّلهم لذلك، لا بأعمالهم. ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.
الآية (71): يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعُدَد، وتكثير العَدَد بالنفير في سبيله. ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، والثُبات: جمع ثُبَة، وقد تجمع الثبة على ثُبين ﴿ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ يعني: كلكم. وكذا رُوي عن مجاهد وعكرمة.
الآية (72): ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين. وقال مقاتل بن حيان: ﴿ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ أي: ليتخلفن عن الجهاد. ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أُبي بن سلول يفعل؛ يتأخر عن الجهاد، ويُثَبّط الناس عن الخروج فيه. وهذا قول ابن جُرَيْج وابن جَرِيرٍ؛ ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد: ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ أي: قتل وشهادة وغلَبُ العدو لكم، لما لله في ذلك من الحكمة ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال، يعدّ ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قُتل.
الآية (73): ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: نصر وظفر وغنيمة ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ أي: كأنه ليس من أهل دينكم ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ أي: بأنْ يُضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده.
الآية (74): ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ أي: المؤمن النافر ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ﴾ أي: يبيعون دينهم بعَرَض قليل من الدنيا، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم.
﴿ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ أي: كل من قاتل في سبيل الله -سواء قُتل أو غَلَب- فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين: «تكفّل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة».