حجم الخط:

الآيات (68-77)

الآية (68-71): [سبب النزول]: عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك قَتَلُوا فأَكْثَرُوا، وزَنَوْا فأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوا محمدًا فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لَحَسَنٌ، لو تُخْبِرُنا أنَّ لِـمَا عَمِلنا كفارة، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ الآية، ونَزَلَتْ: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ الآية [الزمر:53] [متفق عليه].

﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا رُوي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ﴿ أَثَامًا : وادٍ في جهنم. وقال عكرمة: أودية في جهنم يُعَذَّب فيها الزُّنَاة. وكذا رُوي عن سعيد بن جبير ومجاهد. وقال قتادة: ﴿ أَثَامًا : نكالًا، كُنَّا نُحَدَّث أنه وادٍ في جهنم. وقال السُّدي: ﴿ يَلْقَ أَثَامًا جزاءً. وهذا أشبه بظاهر الآية؛ ولهذا فَسَّرَه بما بعده مُبْدَلًا منه، وهو قوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: يُكرَّر عليه ويُغْلَّظُ، ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا أي: حقيرًا ذليلًا.

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا أي: جزاؤه على ما فَعَل من هذه الصفات القبيحة ما ذُكِر ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ في الدنيا إلى الله من جميع ذلك؛ فإن الله يتوب عليه. وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل.

في معنى قوله: ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ قولان: أحدهما: أنهم بُدِّلُوا مكانَ عَمَل السيئات بعَمَل الحسنات، قال ابن عباس: هم المؤمنون؛ كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرَغِبَ الله بهم عن السيئات فحَوَّلهم إلى الحسنات، فأبدَلَـهم مكان السيئات الحسنات. وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة، ثم يُبَدِّلُهُ اللهُ بِهَا خَيْرًا. والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تَنْقَلب بنفس التوبة النصوح حسناتٍ، وما ذاك إلا أنه كلَّما تَذَّكَر ما مضى نَدِم واسترجع واستغفر، فيَنقَلِب الذَّنب طاعةً بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وَجَدَه مكتوبًا عليه، لكنه لا يضره، وينقلب حسنةً في صحيفته، كما ثَبَتَت السنّة بذلك، وصحَّت به الآثار المروية عن السلف -رحمهم الله تعالى- قال علي زين العابدين: ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ قال: في الآخرة. وقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسناتٍ.

ثم قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته بعباده، وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان، جليل أو حقير، كبير أو صغير: فقال: ﴿ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا أي: فإن الله يقبل توبته.

الآية (72-74): ﴿ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام. وقيل: الكَذِب والفسق واللغو والباطل. وقال محمد بن الحنفية: هو اللهو والغناء. وقال أبو العالية والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد المشركين. وقال عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا. وقيل: المراد: شهادة الزور، وهي الكَذِب مُتَعَمِّدًا على غيره. والأظهر من السياق أن المراد: لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه؛ ولهذا قال: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتَّفَقَ مرورهم به مرُّوا، ولم يَتَدَنَّسوا منه بشيء، ولهذا قال: ﴿ مَرُّوا كِرَامًا .

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وهذه من صفات المؤمنين ﱡﭐ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: 2]، بخلاف الكافر؛ فإنه إذا سمع كلام الله لا يُؤَثِّر فيه ولا يُقْصر عمَّا كان عليه، بل يبقى مستمرًا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله. فقوله: ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا أي: بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله فلا تؤثر فيه، فيستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى. قال مجاهد: قوله: ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا : لم يسمعوا ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئًا. وقال الحسن: كم من رجل يقرؤها وَيَخِرُّ عليها أصم أعمى. وقال قتادة: لم يصمُّوا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم -والله- قوم عقلوا عن الله وانتفعوا بما سمعوا من كتابه. وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يعني: الذين يسألون الله أن يُخرج من أصلابهم وذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له. قال ابن عباس: يعنون من يعمل بالطاعة، فتَقرُّ به أعينهم في الدنيا والآخرة. وقال عكرمة: لم يريدوا بذلك صَبَاحةً ولا جمالًا، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. وقال ابن جريج: يعبدونك ويحسنون عبادتك، ولا يجرون علينا الجرائر. ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس: أئمةً يُقْتَدَى بنا في الخير. وقال غيرهم: هداةً مهتدين ودعاةً إلى الخير، فأَحبُّوا أن تكون عبادتهم مُتَّصِلَة بعبادة أولادهم وذُرِّيَّاتهم، وأن يكون هداهم متعديًا إلى غيرهم بالنَّفع، وذلك أكثر ثوابًا، وأحسن مآبًا.

الآية (75-77): ﴿ أُولَٰئِكَ أي: الـمُتَّصِفُون بهذه الصفات الجميلة، والأفعال والأقوال الجليلة ﴿ يُجْزَوْنَ يوم القيامة ﴿ الْغُرْفَةَ وهي الجنة. قال أبو جعفر الباقر وسعيد بن جبير والضحاك والسدي: سُمِّيَت بذلك لارتفاعها. ﴿ بِمَا صَبَرُوا على القيام بذلك ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا أي: في الجنة ﴿ تَحِيَّةً وَسَلَامًا أي: يُبْتَدرُون فيها بالتحية والإكرام، ويَلْقَون فيها التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام؛ فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24].

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أي: مقيمين، لا يظعنون ولا يَحُولون ولا يموتون، ولا يزولون عنها و﴿ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108].

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي أي: لا يُبَالي ولا يَكْتَرث بكم إذا لم تعبدوه؛ فإنه إنما خَلَق الخلق ليعبدوه ويوحِّدُوه ويُسَبِّحوه بكرةً وأصيلًا. وقال مجاهد وعمرو بن شعيب: يقول: ما يَفْعَلُ بكم ربي. وقال ابن عباس: يقول: لولا إيمانكم، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لَـحَبَّب إليهم الإيمان كما حَبَّبه إلى المؤمنين. ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أيها الكافرون ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا أي: فسوف يكون تكذيبكم لزامًا لكم، يعني: مقتضيًا لهلاككم وعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فَسَّرَه بذلك ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة وغيرهم. وقال الحسن: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا أي: يوم القيامة. ولا منافاةَ بينهما.