حجم الخط:

الآيات (69-72)

الآية (69): يقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم.

وقوله: ﴿ بِخَلَاقِهِمْ قال الحسن البصري: بدينهم.

وقوله: ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أي: في الكذب والباطل.

وقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ أي: بَطَلت مساعيهم، فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة ﴿ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ؛ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب.

الآية (70): يقول تعالى واعظًا لهؤلاء المنافقين المكذِّبين للرسل: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: ألم تُخْبَرُوا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذِّبة للرسل: ﴿ قَوْمِ نُوحٍ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض، إلا من آمن بعبده ورسوله نوح عليه السلام، ﴿ وَعَادٍ كيف أهلكوا بالريح العقيم، لَـمَّا كذَّبوا هودًا عليه السلام، ﴿ وَثَمُودَ كيف أخذتهم الصيحة لَـمَّا كذَّبوا صالحًا عليه السلام، وعقروا الناقة، ﴿ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ كيف نَصَرَه الله عليهم، وأيَّدَه بالمعجزات الظاهرة عليهم، وأَهلَك ملكهم نمروذ بن كنعان لعنه الله، ﴿ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وهم قوم شعيب عليه السلام، وكيف أصابتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظُّلَّة، ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ قوم لوط، وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم:53]، أي: الأمّة المؤتفكة، وقيل: أُمُّ قُرَاهم وهي «سَدُوم». والغرض: أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطًا عليه السلام، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين.

وقوله: ﴿ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ أي: بالحُجَج والدلائل القاطعات، ﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، ﴿ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي: بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار.

الآية (71): لَـمَّا ذَكر تعالى صفات المنافقين الذميمة، عَطَف بذِكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ أي: يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضًا» وشَبَّك بين أصابعه [متفق عليه].

وفي الصحيح أيضًا: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر» [متفق عليه].

وقوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ كقوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]. وقوله تعالى: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ أي: يُطِيعُون الله ويحسنون إلى خلقه، ﴿ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: فيما أَمَر، وترك ما عنه زَجَر، ﴿ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ : من اتَّصَف بهذه الصفات.

وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي: يُعِزُّ من أطاعه؛ فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ﴿ حَكِيمٌ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدِّمة، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى.

الآية (72): يُخبر تعالى بما أعدَّه للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً أي: حسنة البناء، طيبة القرار، كما جاء عن عبد الله بن قيس الأشعري قال: قال رسول الله : «جنتان من ذهبٍ، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضةٍ، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» [متفق عليه].

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة وصام رمضان، فإن حقًّا على الله أن يُدخِلَه الجنة، هاجرَ في سبيل الله، أو حُبِس في أرضه التي وُلِدَ فيها». قالوا: يا رسول الله، أفلا نُخبِر الناس؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تَفَجَّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» [رواه البخاري].

وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله : «إن أهل الجنة لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرفة في الجنة، كما تَرَاءَوْنَ الكوكب في السماء» [متفق عليه].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنه سمع النبي يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صَلُّوا عليّ؛ فإنه من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سَلُوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أنى أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة يوم القيامة» [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ أي: رضا الله عنهم أكبر وأجلّ وأعظم ممَّا هم فيه من النعيم.

عن أبي سعيد الخُدْري أن رسول الله قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحدًا من خلقك! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» [متفق عليه].