حجم الخط:

الآيات (7-14)

الآية (7): ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ : وهي الأحمال الـمُثْقَلَة التي تَعجزُون عن نَقلِها وحملها. ﴿ إِلَىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة، وما جَرى مَجْرَى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال، من رُكُوبٍ وتحميل، كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون:22]، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٧٩ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٨٠ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ [غافر:79-81].

ولهذا قال ههنا بعد تَعْدَاد هذه النِّعَم: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ أي: ربكم الذي قيَّض لكم هذه الأنعام وسَخَّرها لكم، كما قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴿٧١ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس:71-72]، وقال: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿١٢ لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف:12-14].

قال ابن عباس: ﴿ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ [1] أي: ثياب، والمنافع: ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وقال مجاهد: ﴿ دِفْءٌ لباس يُنْسَج، ﴿ وَمَنَافِعُ تُركَبُ، ولحم ولبن. وقال قتادة: لكم فيها لباس، ومنفعة، وبُلْغَة. وكذا قال غير واحد من المفسرين، بألفاظ مُتَقَارِبَة.

الآية (8): هذا صنف آخر ممَّا خَلَق تبارك وتعالى لعباده، يمتَنُّ به عليهم، وهو: الخيل والبغال والحمير، التي جعلها للركوب والزينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فصلها من الأنعام وأفردها بالذكر استدل من استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل.

الآية (9): لَـمَّا ذَكَر في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها، التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة، شَرَع في ذِكر الطُّرُق التي يَسلكها الناس إليه، فبيَّن أن الحقَّ منها ما هي موصلة إليه، فقال: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ، كما قال: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، قال مجاهد: في قوله: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ قال: طريق الحق على الله. وقال السُّدي: الإسلام. وعن ابن عباس: وعلى الله البيان؛ أي يبين الهدى والضلالة، وكذا قال قتادة والضحاك. وقولُ مجاهد أقوى؛ لأنه تعالى أَخبَر أن ثَمَّ طُرُقًا تُسلَك إليه، فليس يَصِل إليه منها إلا طريقُ الحقِّ، وهي الطريق التي شَرَعها ورضيها، وما عداها مسدودة، والأعمال فيها مردودة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ أي: حائد مائل زائغ عن الحق.

ثم أخبر أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته، فقال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ، كما قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس:99]، وقال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:118-119].

الآية (10-11): لَـمَّا ذَكَر سبحانه ما أَنعَم به عليهم من الأنعام والدواب، شَرَع في ذِكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء، ممَّا لهم فيه بُلْغَة ومتاع لهم ولأنعامهم، فقال: ﴿ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ أي: جعله عذبًا زُلَالًا، يَسُوغُ لكم شَرَابُه، ولم يجعله مِلْحًا أُجَاجًا، ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ أي: وأخرج لكم به شجرًا ترعون فيه أنعامكم. ومنه الإبل السائمة، والسَّوْم: الرعي.

وقوله: ﴿ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ أي: يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد، على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله.

الآية (12-13): يُنَبـِّه تعالى عباده على آياته العظام، ومِنَنِه الجِسَامِ، في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السموات نورًا وضياءً للمهتدين بها في الظلمات، وكلٌّ منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مُقدرة، لا يزيد عليها ولا ينقص منها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسييره.

كما قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54]؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ أي: لدلالات على قدرته الباهرة وسلطانه العظيم. ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عن الله ويفهمون حُجَجِه.

وقوله: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ لَـمَّا نَبَّهَ سبحانه على معالم السموات، نَبَّهَ على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة، من الحيوانات والمعادن والنباتات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي: آلاء الله ونعمه فيشكرونها.

الآية (14): يُخبِر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتَنُّ على عباده بتذليله لهم، وتيسيرهم للركوب فيه، وجعله السَّمَك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها حَيَّها ومَيِّتَها، في الـحِلِّ والإحرام، وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجها من قرارها حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تَـمْخُرُهُ، أي: تَشُقُّهُ، بِجُؤْجُئِهَا -وهو صَدْرُهَا المسنَّم- الذي أَرشَد العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك، إِرثًا عن أبيهم نوح عليه السلام ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: نعمه وإحسانه.