حجم الخط:

الآيات (7-14)

الآية (7): ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ثم أخبر أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم من إحسانه وبِرِّه بهم يُجَازِي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أَحْسَن الجزاء؛ وهو أنه يُكَفِّر عنهم أسوأَ الذي عَمِلُوا، ويَجْزِيهم أَجْرَهُم بأحسن ما كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويُثِيبُ عليها الواحدة بعَشْر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعْفُو ويَصْفَح.

الآية (8-9): يقول تعالى آمرًا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الـحَثِّ على التَّمَسُّك بتوحيده؛ فإن الوالدين هما سَبَبُ وجود الإنسان، ولهما عليه غايةُ الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴿٢٣ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23، 24].

ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدِّم، قال: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا أي: وإن حَرَصا عليك أن تُتَابِعَهما في دينهما إذا كانا مُشْرِكَيْن، فإياكَ وإياهما، لا تُطِعْهما في ذلك؛ فإنّ مَرْجِعكم إليَّ يوم القيامة، فأجزيكَ بإحسانكَ إليهما، وصَبْرِك على دينك، وأَحْشُرُك مع الصالحين لا في زُمْرَة والديك، وإن كنت أَقْرَب الناس إليهما في الدنيا؛ فإن المرء إنما يُحْشَر يوم القيامة مع من أَحَبَّ، أي: حُبًّا دِينِيًّا؛ ولهذا قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ .

عن سعد، قال: نَزَلَت فيَّ أربع آيات. فذَكَر قصةً، وقالت أم سعد: أليس قد أَمَرَكَ الله بالبِرِّ؟! والله لا أَطْعَمُ طعامًا، ولا أَشْرَبُ شرابًا حتى أَمُوتَ أو تَكْفُر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطْعِمُوها شَجَروا فَاهَا، فأنزل الله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ الآية [رواه مسلم].

الآية (10-11): يقول تعالى مُخْبِرًا عن صفات قوم من المكذِّبين الذين يَدَّعُون الإيمان بألسنتهم، ولم يَثْبُت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم فتنة ومِحْنَة في الدنيا، اعتقدوا أن هذا من نِقْمَة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ قال ابن عباس: يعني: فتنته أن يرتدَّ عن دينه إذا أُوذِيَ في الله. وكذا قال غيره من علماء السلف. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ [الحج:11].

ثم قال عز وجل: ﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي: ولَئِنْ جاء نَصْرٌ قريب من ربك -يا محمد- وفَتْحٌ ومَغانم، ليَقُولُنَّ هؤلاء لكم: ﴿ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي كُنَّا إخوانكم في الدين؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:141].

وقال تعالى مُخْبِرًا عنهم ههنا: ﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ . ثم قال تعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ أي: أَوَلَيْسَ الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تُكِنُّه ضمائرهم، وإن أَظْهَرُوا لكم الموافقة؟! وقوله: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ أي: وليَخْتَبرَنّ الله الناس بالضراء والسراء، ليَتَمَيَّزَ هؤلاء من هؤلاء، ومن يُطِيعُ الله في الضراء والسراء، ومن إنما يُطِيعُهُ فِي حَظِّ نفسه؛ كما قال: ﱡﭐ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: 31].

الآية (12-13): يقول تعالى مُخْبِرًا عن كفار قريش: أنهم قالوا لمن آمن منهم واتَّبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ أي: وآثامكم -إن كانت لكم آثام في ذلك- علينا وفي رقابنا؛ كما يقول القائل: «افعل هذا وخطيئتك في رقبتي». قال الله تكذيبًا لهم: ﴿ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أي: فيما قالوه: إنهم يحملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد ﴿ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ [فاطر:18]. وقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة أنهم يوم القيامة يحملون أوزار أنفسهم، وأوزارًا أُخَر بسبب من أضَلُّوا من الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25]. وفي الصحيح: «..من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتَّبعه إلى يوم القيامة، من غير أن يَنْقُصَ من آثامهم شيئًا» [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ أي: يكذِّبون ويَخْتَلِقُون من البُهْتَان.

الآية (14): هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد يخبره عن نوح عليه السلام: أنه مَكَثَ في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وسِرًّا وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فِرارًا عن الحقِّ، وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، وما آمن معه منهم إلا قليل؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ أي: بعد هذه المدة الطويلة ما نَجَعَ فيهم البلاغ والإنذار، فأنت -يا محمد- لا تَأْسَف على من كَفَر بك من قومك، ولا تَحْزَن عليهم؛ فإن الله يَهدِي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور، واعلم أن الله سيُظْهِرُكَ ويَنْصُرُك ويُؤَيِّدُك، ويُذِلُّ عَدوَّك، ويَكْبِتُهُمْ ويجعلهم أسفل السافلين، عن ابن عباس قال: بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين عاما، حتى كثر الناس وفشوا.. وظاهر السياق من الآية أنه مَكَثَ في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عامًا.