حجم الخط:

الآيات (7-30)

الآية (7-14): ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ قال ابن عباس: ذات البهاء والجمال والحُسن والاستواء. وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبَيْر. وقال الحسن: حُبِكَتْ بالنجوم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإنها من حُسْنِها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مُكَلَّلَة بالنجوم، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات. وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع. وقال قتادة: ما بين مصدِّق بالقرآن ومكذِّب به. ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ أي: إنما يروج على من هو ضال في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما يَنقَاد له ويَضِل بسببه ويُؤْفَكُ عنه من هو مَأْفُوكٌ ضال غَمْر، لا فَهْم له. قال ابن عباس والسُّدِّي: يُضَلَّ عنه من ضَلَّ. وقال مجاهد: يُؤْفَنُ عنه من أُفِنَ. وقال الحسن: يُصْرَفُ عن هذا القرآن من كَذَّب به. ﴿ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ قال مجاهد: الكذَّابون، والخراصون الذين يقولون لا نُبْعَثُ ولا يُوقِنُون. وقال ابن عباس: أي: لُعِنَ الـمُرْتَابُون. وهكذا كان معاذ يقول في خُطَبِه: هَلَك المرتابون. وقال قتادة: الخرَّاصون: أهل الغِرَّة والظنون.

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ قال ابن عباس وغير واحد: في الكفر والشكِّ غافلون لاهون. ﴿ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ وإنما يقولون هذا تكذيبًا وعنادًا وشكًّا واستبعادًا. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد: ﴿ يُفْتَنُونَ : يُعَذَّبُون، كما يُفْتَن الذَّهَب على النار. وقال آخرون كمجاهد أيضًا وعكرمة والنَّخَعِي: يُحْرَقُون. ﴿ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ قال مجاهد: حَرِيقَكُم. وقال غيره: عذابكم. ﴿ هَٰذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ أي: يُقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا.

الآية (15-23): يقول تعالى مُخْبِرًا عن المتقين لله عز وجل: إنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال، والحريق والأغلال. ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ أي: في الدار الدنيا ﴿ مُحْسِنِينَ ثم بَيَّن إحسانهم في العمل فقال: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ اختلف في ذلك على قولين: أحدهما: أن «ما» نافية، تقديره: كانوا قليلًا من الليل لا يهجعونه. قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا. وقال مجاهد: قلَّ ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون. وكذا قال قتادة. والثاني: أن «ما» مصدرية، تقديره: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم ونومهم. واختاره ابن جرير. وقوله: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال مجاهد وغير واحد: يصلّون. وقال آخرون: قاموا الليل، وأَخَّرُوا الاستغفار إلى الأسحار. كما قال تعالى: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17]، فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقوله: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ لَـمَّا وَصَفَهم بالصلاة ثَنَّى بوَصْفِهم بالزَّكاة والبِرِّ والصلة، فقال: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ أي: جزء مقسوم قد أفرزوه ﴿ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ أما السائل: فمعروف، وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حقٌّ. وأما المحروم: فقال ابن عباس ومجاهد: هو المحارَف[1] الذي ليس له في الإسلام سهم. يعني: لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حِرْفَةٌ يَتَقَوَّت منها. وقالت أم المؤمنين عائشة: هو المحارَف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه. وقال قتادة والزهري: المحروم: الذي لا يسأل الناس شيئًا، قال الزهري: وقد قال رسول الله : «ليس المسكين بالطوَّاف الذي تَرُدُّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيه، ولا يُفطَن له فيُتَصَدَّق عليه» [متفق عليه من حديث أبي هريرة بنحوه]. واختار ابن جرير أن المحروم: هو الذي لا مال له بأي سبب كان، قد ذَهَب ماله، سواءً كان لا يقدر على الكسب، أو قد هَلَك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها. وقوله: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ أي: فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، ممَّا قد ذَرَأَ؛ ولهذا قال: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ قال قتادة: من تفكر في خَلْق نفسه عَرَفَ أنه إنما خُلِقَ ولُيِّنَتْ مفاصله للعبادة. ثم قال: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ يعني: المطر ﴿ وَمَا تُوعَدُونَ يعني: الجنة. قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد. وقوله: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ يُقْسِم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وَعَدَهم به من أَمْر القيامة والبَعْث والجزاء، كائن لا محالة، وهو حَقٌّ لا مريةَ فيه، فلا تَشُكُّوا فيه كما لا [تَشُكُّون] في نُطْقِكم حين تنطقون.

الآية (24-30): ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ أي: الذين أَرْصَدَ لهم الكرامة. وقد ذَهَب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وَرَدَت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل. وقوله: ﴿ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ : الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرَدُّه أفضل من التسليم، فالخليل اختار الأفضل. وقوله: ﴿ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وذلك أن الملائكة وهم جبريل وإسرافيل وميكائيل قَدِمُوا عليه في صور شُبَّان حِسَان عليهم مَهَابَة عظيمة؛ ولهذا قال: ﴿ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ .

﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ أي: انْسَلَّ خُفيةً في سرعة ﴿ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ أي: من خِيَار ماله. وفي الآية الأخرى: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود:69] أي: مشوي على الرَّضَف، ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ أي: أدناه منهم، ﴿ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ : تَلَطُّفٌ في العبارة وعَرْضٌ حَسَن. وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة؛ فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال: «نأتيكم بطعام؟» بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم، لم يضعه، وقال: اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: ﴿ أَلَا تَأْكُلُونَ على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل.

﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً هذا محال[2] على ما في السورة الأخرى: ﴿ فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70].

﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ البشارة له هي بشارة [لامرأته]؛ لأن الوَلَد منهما، فكلٌّ منهما بُشِّرَ به. ﴿ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ أي: في صَرْخَة عظيمة ورَنَّة، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة؛ وهي قولها: ﴿ يَا وَيْلَتَىٰ [هود:70]. ﴿ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا أي: ضَرَبَت بيدها على جبينها، قاله مجاهد وابن سابط. وقال ابن عباس: لَطَمَتْ، أي تعجبًا كما تَتَعَجَّب النساء من الأمر الغريب، ﴿ وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ أي: كيف أَلِدُ وأنا عجوز، وقد كُنْتُ في حال الصبا عقيمًا لا أَحْبَل؟! ﴿ قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ أي: عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله.