حجم الخط:

الآيات (70-75)

الآية (70-71): [سبب النزول]: قال ابن عباس: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىٰ : عباس وأصحابه؛ قالوا للنبي : آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحنَّ لك على قومنا. فأنزل الله: ﴿ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ إيمانًا وتصديقًا، يخلف لكم خيرًا مما أُخذ منكم ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ الشرك الذي كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحبُّ أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا؛ لقد قال: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وأرجو أن يكون غُفر لي. قوله: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ أي: فيما أظهروا لك من الأقوال ﴿ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي: من قبل بدر بالكفر به، ﴿ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ أي: بالإسار يوم بدر ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي: عليم بما يفعله، حكيم فيه. قال قتادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح الكاتب حين ارتدَّ ولحق بالمشركين. وقال ابن عباس: نزلت في عباس وأصحابه حين قالوا: لننصحن لك على قومنا. وفسَّرها السُّدّي على العموم، وهو أشمل وأظهر، والله أعلم.

الآية (72): ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسَّمهم إلى مهاجرين: خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك. وإلى أنصار، وهم: المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك: آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسَوْهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم؛ فهؤلاء ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد؛ ولهذا آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار؛ كل اثنين أخَوَان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدمًا على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث. وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه فقال: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿٨ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ الآية [الحشر:8- 9].

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين: وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بَوَاديهم؛ فهؤلاء ليس لهم في المغانم نَصِيبٌ، ولا في خُمسها إلا ما حضروا فيه القتال؛ عن بُرَيدة بن الحُصَيب الأسلمي قال: كان رسول الله إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، وقال: «... فإن أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلِمْهم إنْ فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبَوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين» [رواه مسلم].

﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يقول تعالى: ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أي: مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مروي عن ابن عباس.

الآية (73): لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضُهم أولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار؛ عن أسامة عن النبي قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» [متفق عليه].

ومعنى قوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر، واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد منتشر طويل عريض.

الآية (74-75): لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا، عطف بذكر ما لهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان، كما تقدم في أول السورة، وأنه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم، وهو الحسَن الكثير الطيب الشريف، دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يُسْأم ولا يُمَلُّ لحُسنه وتنوعه. ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة؛ كما قال: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ الآية [التوبة:100]، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:10] وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: «المرء مع من أحب» [متفق عليه]. وأما قوله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أي: في حكم الله، وليس المراد بقوله: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ خصوصية ما يُطلقه علماء الفرائض على القرابة، الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يُدْلُون بوارث؛ كالخالة، والخال، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات، ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحًا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات. كما نص ابن عباس ومجاهد، وعكرمة والحسن، وقتادة وغير واحد على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص. ومن لم يورثهم يحتج بأدلة من أقواها حديث: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصِيَّة لوارث» [رواه أهل السنن، وصححه الألباني]، قالوا: فلو كان ذا حق لكان له فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثًا.