حجم الخط:

الآيات (71-90)

الآية (71-72): أرشَدَهم إلى نسائهم، وما خَلَق لهم ربهم مِنهنَّ من الفروج المباحة. هذا كله وهم غافلون عمَّا يُرَاد بهم، وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا يُصَبِّحهم من العذاب الْـمُسْتَقِر؛ ولهذا قال تعالى لنبيه : ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ أقسم تعالى بحياة نبيه وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع وجاه عريض. قال ابن عباس: ما خَلَقَ الله وما ذَرَأ وما بَرَأَ نفسًا أكرم عليه من محمد ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره؛ قال الله تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ يقول: وحَيَاتِكَ وعُمرِكَ وبَقَائِكَ في الدنيا إنهم لفي سكرتهم يعمهون. وقال قتادة: ﴿ لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي: في ضلالتهم ﴿ يَعْمَهُونَ أي: يلعبون. وقال ابن عباس: ﴿ لَعَمْرُكَ : لَعَيْشُكَ ﴿ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قال: يَتَمَادَوْن.

الآية (73-77): يقول: تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ، وهي ما جاءهم من الصوت القاصف ﴿ مُشْرِقِينَ عند شروق الشمس، وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عَنان السماء ثم قَلْبها، وجَعْل عالِيها سَافِلَهَا، وإرسال حجارة السجّيل عليهم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي: إن آثار هذه النقم ظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسَّمه بعين بَصَره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قال: الـمُتَفَرِّسِين. وعن ابن عباس: لِلنَّاظِرِين. وقال قتادة: لِلْمُعْتَبِرِين. وقوله: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أي: وإن قرية سَدُوم التي أصابها ما أصابها من القَلْب الصُّورِيِّ والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بُحيرةً مُنْتِنَةً خبيثةً لَبِطَريقٍ مَهْيَع[1]، مسالكه مستمرة إلى اليوم، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴿١٣٧ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات:137-138]. وقال مجاهد والضحاك: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ قال: مُعَلَّم. وقال قتادة: بِطَرِيق واضح. وقال قتادة أيضًا: بصُقْع من الأرض واحد. وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي: إن الذي صنَعْنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطًا وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله.

الآية (78-79): أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب. قال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة: الشجر الْـمُلْتَفُّ. وكان ظُلمهم بشركهم بالله وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان. فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظُّلَّة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط، بَعْدَهم في الزمان، ومُسَامِتِين لهم في المكان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ أي: طريق مبين. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: طريق ظاهر؛ ولهذا لَـمَّا أنذر شعيب قومه قال في نِذَارَتِه إياهم: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89].

الآية (80-84): أصحاب الحجر هم: ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيَّهم، ومن كذَّب برسول فقد كذَّب بجميع المرسلين؛ ولهذا أُطْلِقَ عليهم تكذيب المرسلين. وذكر تعالى أنه آتاهم من الآيات ما يدلُّـهم على صِدق ما جاءهم به صالح، كالناقة التي أخرَجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء فكانت تسرح في بلادهم، لها شِرْب ولهم شِرب يوم معلوم. فلمَّا عَتَوا وعقروها قال لهم: ﴿ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65]، وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ [فصلت:17]. وذكر تعالى: أنهم كانوا ﴿ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشَرًا وبَطَرًا وعَبَثًا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بِوَادي الحِجْر، الذي مَرَّ به رسول الله وهو ذاهب إلى تبوك فَقَنَّع رأسه وأَسرَع دابَّته، وقال لأصحابه: «لا تدخلوا بيوت القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فَتَبَاكوا خَشْيَةَ أن يصيبكم ما أصابهم» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ أي: وقت الصباح من اليوم الرابع، ﴿ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أي: ما كانوا يستغلُّونه من زروعهم وثمارهم التي ضَنُّوا بمائها عن الناقة، حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دَفَعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم لَـمَّا جاء أمر ربك.

الآية (85-86): يقول تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ أي: بالعدل، ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27]. ثم أخبر نبيَّه بقيام الساعة، وأنها كائنة لا محالة، ثم أَمَرَه بالصفح الجميل عن المشركين، في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به، كما قال تعالى: ﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الزخرف:89]. وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال. وهو كما قالا؛ فإن هذه مكِّيَّة، والقتال إنما شرع بعد الهجرة. وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه ﴿ الْخَلَّاقُ الذي لا يُعجِزه خَلْق ما يشاء، وهو ﴿ الْعَلِيمُ بما تمزَّق من الأجساد، وتفرَّق في سائر أقطار الأرض.

الآية (87-88): يقول تعالى لنبيه: كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تَنْظُرَنَّ إلى الدنيا وزينتها، وما مَتَّعْنا به أهلها من الزهرة الفانية لِنَفْتِنَهم فيه، فلا تَغْبِطْهُم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنًا عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك، ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215] أي: أَلِنْ لهم جانبك. وقوله: ﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ أي: استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية. عن ابن عباس: ﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ قال: نُهِيَ الرجل أن يتمنَّى مال صاحبه، وقال مجاهد: ﴿ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ : هم الأغنياء.

الآية (89-90): يأمر تعالى نبيه أن يقول للناس: ﴿ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ البيّن النِّذَارة، نذير للناس من عذاب أليم أن يحلَّ بهم على تكذيبه كما حلَّ بمن تقدَّمهم من الأمم المكذِّبة لرسلها، وما أَنْزَل الله عليهم من العذاب والانتقام. وقوله: ﴿ الْمُقْتَسِمِينَ أي: المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء إلا أقسموا عليه، فسُمُّوا مُقْتَسِمِين.