حجم الخط:

الآيات (72-81)

الآية (72-73): قوله: ﴿ قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا الآية، حكى قولها في هذه الآية، كما حكى فعلها في الآية الأخرى: ﴿ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات:29]، كما جرَت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب. ﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمر الله؛ فإنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: «كن» فيكون، فلا تعجبي من هذا، وإن كنتِ عجوزًا عقيمًا، وبعلك شيخًا كبيرًا؛ فإن الله على ما يشاء قدير. ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله؛ محمود مُمجَّد في صفاته وذاته.

الآية (74-76): يخبر تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه لما ذهب عنه الرَّوع، وهو ما أوْجَس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا، وبشَّروه بعد ذلك بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط، أخذ يقول: أتُهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟! قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟! قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنًا؟! قالوا: لا. قال: ثلاثون؟! قالوا: لا. حتى بلغ خمسةً، قالوا: لا. قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عليه السلام عند ذلك: ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ الآية [العنكبوت:32]، فسكت عنهم واطمأنَّت نفسه. قوله: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ مدح إبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها. قوله: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ الآية، أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء، وحَقَّت عليهم الكلمة بالهلاك، وحلول البأس الذي لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين.

الآية (77-78): يخبر تعالى عن قُدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم، وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة. فانطلقوا من عنده، فأتوا لوطًا عليه السلام في أرض له، وقيل: في منزله، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون، على هيئة شُبَّان حِسَان الوجوه، ابتلاءً من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءَهُ شأنهم، وضاقت نفسه بسببهم، وخشي إن لم يُضِفْهم أن يُضيفهم أحد من قومه، فينالهم بسوء. قوله: ﴿ وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ قال ابن عباس وغير واحد: شديدٌ بلاؤه؛ وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم، ويشقُّ عليه ذلك. وقال السُّدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فبلغوا نهر سَدُوم نصف النهار، ولقوا بنت لوط تستقي، فقالوا: يا جارية، هل من منزل؟ فقالت: مكانكم حتى آتيكم، وفَرِقَتْ عليهم مِن قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه، أدرك فتيانًا على باب المدينة، ما رأيت وجوهَ قوم أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم. وكان قومه نَهَوْهُ أن يُضيف رجلًا، فقالوا: خلِّ عنا فلْنُضِف الرجال. فجاء بهم، فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاؤوا يُهرعون إليه.

وقوله: ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ أي: يسرعون ويهرولون مِن فرحهم بذلك. وقوله: ﴿ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أي: لم يزل هذا من سجيّتهم حتى أُخذوا وهم على ذلك الحال.

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ يرشدهم إلى نسائهم؛ فإن النبي للأُمّة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70] أي: ألم نَنْهَك عن ضيافة الرجال؟! ﴿ قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴿٧١ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:71-72]، وقال في هذه الآية: ﴿ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ قال مجاهد: لم يَكُنَّ بناته ولكن كُنَّ من أمَّتِهِ، وكل نبيُّ أبو أُمَّتِه. وقال ابن جُرَيْج: أمرهم أن يتزوجوا النساء ولم يَعرض عليهم سِفاحًا. وقوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ أي: فيه خير، يقبل ما آمره به ويترك ما أنهاه عنه؟!

الآية (79): ﴿ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ أي: إنك تعلم أن نساءنا لا أرَبَ لنا فيهن ولا نشتهيهنّ ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ أي: ليس لنا غرض إلا في الذكور، وأنت تعلم ذلك، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟! قال السُّدِّي: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ : إنما نريد الرجال.

الآية (80-81): يقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط عليه السلام: إن لوطًا توعدهم بقوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ أي: لكنتُ نكَّلتُ بكم وفعلتُ بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي.

عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد» يعني: الله عز وجل [متفق عليه]. فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رُسل الله إليه، وأنهم لا وصول لهم إليه ﴿ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ، وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل، وأن يتَّبع أدبارهم، أي: يكون ساقةً لأهله.

﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أي: إذا سمعتَ ما نزل بهم، ولا تهولنَّكم تلك الأصوات المزعجة، ولكن استمروا ذاهبين. قوله: ﴿ إِلَّا امْرَأَتَكَ هو استثناء من قوله: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ .

ثم قرَّبوا له هلاك قومه تبشيرًا له؛ لأنه قال لهم: «أهلِكُوهم الساعة»، فقالوا: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ، هذا وقومُ لُوطٍ وقُوف على الباب وعُكوف قد جاؤوا يُهرعون إليه من كل جانب، ولوط واقف على الباب يُدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه، وهم لا يقبلون منه، بل يتوعدونه، فعند ذلك خرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم بجناحه، فطمس أعينهم، فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ الآية [القمر:37-39].