حجم الخط:

الآيات (73-78)

الآية (73-74): يقول تعالى مُنَـبِّهًا على حقارة الأصنام وسَخَافة عقول عابديها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ أي: لِـمَا يعبُدُه الجاهلون بالله المشركون به، ﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ أي: أَنْصِتُوا وتَفَهَّمُوا.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي: لو اجتمع جميع ما تَعبُدون من الأصنام والأنداد على خَلْق ذباب واحد ما قَدَروا على ذلك.

كما روي عن أبي هريرة -مرفوعًا-: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا مثل خلقي ذَرّة، أو ذبابة، أو حَبَّة» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]، و«قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟! فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة» [متفق عليه].

ثم قال تعالى أيضًا: ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ أي: هم عاجزون عن خَلْق ذباب واحد، بل أَبلَغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سَلَبَها شيئًا من الذي عليها من الطِّيبِ، ثم أرادت أن تَسْتَنْقِذَه منه، لَـمَا قَدَرت على ذلك.

هذا والذباب من أَضعَف مخلوقات الله وأَحْقَرِها ولهذا قال: ﴿ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ . قال ابن عباس: ﴿ الطَّالِبُ : الصنم، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ : الذباب. واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق. وقال السُّدي وغيره: ﴿ الطَّالِبُ : العابد، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ : الصنم.

ثم قال: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي: ما عَرَفوا قَدْر الله وعظمته حين عَبَدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضَعْفِها وعَجْزِها، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ أي: هو القوي الذي بقدرته وقُوَّته خَلَق كل شيء، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:27]، ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:12-13]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58] [الذاريات:58]. وقوله: ﴿ عَزِيزٌ أي: قد عَزَّ كل شيء فَقَهَره وغَلَبَه، فلا يُـمَانع ولا يُغَالَب، لعَظَمته وسلطانه، وهو الواحد القهار.

الآية (75-76): يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلًا فيما يشاء من شَرعِه وقَدَره، ومن الناس لإبلاغ رسالاته، ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوال عباده، ﴿ بَصِيرٌ بهم، عليم بمن يَستَحِقُّ ذلك منهم؛ كما قال: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124].

وقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي: يعلم ما يفعل رسُلُه فيما أَرسَلَهم به، فلا يخفى عليه من أمورهم شيء؛ كما قال: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ إلى قوله ﴿ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:26-28]، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيدٌ على ما يُقَال لهم، حافظ لهم، ناصر لِـجَنَابهم؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ الآية [المائدة:67].

الآية (77-78): اختلف الأئمة، في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين.

قوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم؛ كما قال تعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]. وقوله: ﴿ هُوَ اجْتَبَاكُمْ أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفَضَّلَكم وشَرَّفَكم وخَصَّكم بأكرم رسول، وأَكمَل شَرْع.

﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي: ما كَلَّفَكم ما لا تُطِيقُون، وما أَلْزَمَكم بشيء يَشُقُّ عليكم إلا جَعَل الله لكم فَرَجًا ومَخْرَجًا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تَجِبُ في الحَضَر أربعًا، وفي السفر تُقْصَر إلى ثِنْتَين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة؛ كما ورد به الحديث، وتُصَلى رجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. والقيام فيها يَسقُطُ بعذر المرض، فيُصَلِّيها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرُّخَص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أَمِيرَين إلى اليمن: «بَشِّرا ولا تُنَفِّرَا، ويَسِّرا ولا تُعسِّرَا» [متفق عليه]. والأحاديث في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ يعني: مِن ضِيْق.

وقوله: ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ حَثَّهُم وأَغْرَاهم على ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه بأنه مِلَّة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذَكَرَ مِنَّتَه تعالى على هذه الأمة بما نَوَّهَ به من ذِكْرِها والثناء عليها في سَالِف الدهر وقديم الزمان، في كُتُب الأنبياء، يُتْلَى على الأحبار والرهبان، فقال: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ أي: من قبل هذا القرآن ﴿ وَفِي هَٰذَا أي القرآن.

﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أي: إنما جعلناكم هكذا أمةً وسطًا عُدولًا خيارًا، مشهودًا بعَدَالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة ﴿ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ؛ لأن جميع الأمم معترفة يومئذٍ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها؛ فلهذا تُقْبَل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بَلَّغَتْهم رسالةَ ربهم، والرسول يَشْهَد على هذه الأمة أنه بَلَّغَها ذلك.

وقوله: ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ أي: قابلوا هذه النِّعْمة العظيمة بالقيام بشُكْرها، وأَدَّوا حَقَّ الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجَب، وتَرْك ما حَرَّم. ومِن أهمّ ذلك: إقامُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة؛ وهو الإحسان إلى خلق الله بما أَوْجَب للفقير على الغني، من إخراج جُزْءٍ نَزْر من ماله في السَّنة للضعفاء والـمَحَاوِيج.

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ أي: اعتضدوا بالله، واستعينوا به، وتَوَكَّلُوا عليه، وتَأيَّدوا به، ﴿ هُوَ مَوْلَاكُمْ أي: حافظكم وناصِرُكم ومُظفِرُكُم على أعدائكم، ﴿ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ يعني: نِعْمَ الولي، ونِعْمَ الناصِر من الأعداء.