الآية (73-75): ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً ﴾ أي: يُقْتَدَى بهم، ﴿ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴾ أي: يدعون إلى الله بإذنه؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ﴾ من باب عَطْف الخاص على العام، ﴿ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ أي: فاعلين لِـمَا يأمرون الناس به. ثم عَطَف بذكر لوطٍ، كان قد آمن بإبراهيم، واتَّبَعَه، وهاجر معه، فآتاه الله حُكمًا وعِلمًا، وأوحى إليه وجعله نَبِيًّا، وبَعَثَه إلى سَدُومَ وأعمالها، فخالفوه وكَذَّبوه، فأهلَكَهم الله ودَمَّر عليهم، كما قصَّ خبرَهم في غير موضع من كتابه العزيز؛ ولهذا قال: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ﴿٧٤﴾ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾.
الآية (76-77): يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح عليه السلام حين دعا على قومه لَـمَّا كذَّبوه: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴾ [القمر:10]، ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴿٢٦﴾ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ [نوح:26-27]، ولهذا قال ههنا: ﴿ إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ ﴾ أي: الذين آمنوا به كما قال: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [هود:40].
وقوله: ﴿ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ أي: من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لَبِثَ فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله عز وجل ، فلم يُؤمِن به منهم إلا القليل، وكانوا يَتَصَدَّون لأذاه، ويتواصون قَرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل على خلافه. ﴿ وَنَصَرْنَاهُ ﴾ أي: ونجَّيناه وخلَّصناه منتصرًا، ﴿ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أي: أهلَكَهم الله بعامَّة، ولم يُبْقِ على وجه الأرض منهم أحدًا؛ إذ دعا عليهم نبيُّهم.
الآية (78-81): قال ابن عباس: النَّفْشُ: الرعي. وقال شُرَيح والزهري وقتادة: النَّفْشُ بالليل. زاد قتادة: والهَمْلُ بالنهار. وقال ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ﴾ قال: كَرْمٌ قد أَنْبَتَتْ عَنَاقِيدُه، فأَفْسَدَتْه. قال: فقَضَى داود بالغَنَم لصاحب الكَرْم، فقال سليمان: غيرُ هذا يا نبي الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكَرْم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكَرْم فيُصِيب منها حتى إذا كان الكَرْم كما كان دَفَعْتَ الكَرْم إلى صاحبه، ودَفَعْتَ الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾.
وقوله: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ قال حميد: إن إياس بن معاوية لَـمَّا استُقضي أتاه الحسن فبكى، قال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة: رجل اجتهد فأخطأ، فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري: إن فيما قَصَّ الله من نبأ داود وسليمان -عليهما السلام- والأنبياء حُكْمًا يردُّ قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴾ فأثنى الله على سليمان ولم يَذُمَّ داودَ. ثم قال -يعني الحسن-: إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثًا: لا يشترون به ثمنًا قليلًا، ولا يتبعون فيه الهوى، ولا يخشون فيه أحدًا، ثم تلا: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص:26]، وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة:44]، وقال: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [المائدة:44].
قلتُ: أما الأنبياء -عليهم السلام- فكلُّهم معصومون مُؤيَّدون من الله عز وجل. وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين العلماء الـمُحَقِّقِين من السَّلَف والـخَلَف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو ابن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»، فهذا الحديث يَرُدُّ نَصًّا ما تَوَهَّمَه «إياس» من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم.
وفي السنن: «القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار: رجل علم الحق وقَضَى به فهو في الجنة، ورجل حَكَم بين الناس على جَهل فهو في النار، ورجل عَلِمَ الحقَّ وقَضَى بخلافه، فهو في النار» [رواه أبو داود وابن ماجة، وصححه الألباني]. وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء الذئب فأخَذَ أحد الابنين، فتَحَاكمتا إلى داود، فقَضَى به للكبرى، فخَرَجَتا. فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أَشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى: يَرحَمُك الله هو ابنها، لا تَشُقَّه، فقَضَى به للصغرى» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ وذلك لطِيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تَرَنَّم به تَقِفُ الطير في الهواء، فتُجَاوِبُه، وتَرُدُّ عليه الجبال تأْوِيْبًا؛ ولهذا لَـمَّا مَرَّ النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طَيِّب، فَوَقَفَ واستمع لقراءته، وقال: «لقد أُوْتِيَ هذا من مزامير آل داود». قال: يا رسول الله، لو عَلْمْتُ أنك تَسمَع لَـحَبَّرْتُهُ لك تَحْبِيرًا [رواه البخاري].
وقوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ﴾ يعني صَنعَة الدروع. قال قتادة: إنَّما كانت الدروع قبله صفائح، وهو أوَّل من سَرَدَها حِلَقًا. كما قال تعالى: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴿١٠﴾ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ [سبأ:10-11] أي: لا تُوَسِّعِ الـحَلْقَة فَتُقْلِقَ الـمسمار، ولا تُغْلِظِ الـمسمار فتَقُدَّ الحَلْقة؛ ولهذا قال: ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ﴾ يعني: في القتال، ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ أي: نِعَمَ الله عليكم، لِـمَا أَلْـهَمَ به عبده داود، فعلَّمه ذلك من أجلكم.
وقوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً ﴾ أي: وَسَخَّرْنا لسليمان الريح العاصفة، ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ يعني أرض الشام، ﴿ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ﴾.