الآية (75): يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ ﴾ يعني: مكة، كقوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ﴾ [محمد:13]. ثم وصفها بقوله: ﴿ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ أي: سخّر لنا من عندك وليًّا وناصرًا. عن عبيد الله، قال: سمعت ابن عباس قال:
«كنت أنا وأمي من المستضعفين» [رواه البخاري].
الآية (76): ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان. ثم هَيَّجَ تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾.
الآية (77): كان المؤمنون في ابتداء الإسلام -وهم بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُّصُب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أُمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقًا، فلهذا لم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دارٌ ومنَعَة وأنصار، ومع هذا لما أُمروا بما كانوا يودونه جَزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس خوفًا شديدًا ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ أي: لولا أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْم الأبناء، وتأيّم النساء. وهذه الآية في معنى قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ﴿٢٠﴾ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد:20-21]. [سبب النزول]: عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! قال: «إني أُمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم». فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا. فأنزل الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية [رواه ابن أبي حاتم والنسائي، وصححه الألباني]. ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ ﴾ أي: آخرة المتقي خير من دنياه ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ أي: من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء. وهذه تسلية لهم عن الدنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
الآية (78): ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم؛ كما قال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن:26-27]، وقال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران:185]. والمقصود: أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، وسواء جاهد أو لم يجاهد؛ فإن له أجلًا محتومًا، وأمدًا مقسومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاءه الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء. ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة. أي: لا يغني حذر وتحصُّن من الموت؛ كما قال زهير بن أبي سلمى:
ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم.
﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ أي: خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك؛ هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي.
﴿ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك.
﴿ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي: من قِبَلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك؛ كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ﴾ [الأعراف:131]. وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرًا وهم كارهون له في نفس الأمر؛ ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم للنبي ﷺ. ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البَرّ والفاجر، والمؤمن والكافر. ثم قال تعالى مُنكِرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: ﴿ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾.
الآية (79): ثم قال تعالى مخاطبًا للرسول -والمراد جنس الإنسان- ليحصل الجواب: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ أي: من فضل الله ومنّه ولطفه ورحمته ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ أي: فمن قِبَلك، ومن عملك أنت؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى:30]. قال قتادة: ﴿ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾: عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك. عن مُطَرِّف بن عبد الله قال: ما تريدون من القدَر؟ أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي: من نفسك؟! والله ما وُكِلُوا إلى القدَر، وقد أُمِروا، وإليه يصيرون. وهذا كلام مُبين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضًا. وقوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ﴾ أي: تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ أي: على أنه أرسلك، وهو شهيد أيضًا بينك وبينهم، وعالم بما تبلّغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق كفرًا أو عنادًا.