حجم الخط:

الآيات (75-89)

الآية (75): يخبر تعالى عن غِلَظِهِمْ في كفرهم بأنه لو أزاح عِلَلَهم وأَفْهَمَهَم القرآن، لَـمَا انقادوا له ولاستمرُّوا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23]، فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون لو كان كيف يكون.

الآية (76-83): يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد، ﴿ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ أي: فما رَدَّهم ذلك عمَّا كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على ضلالهم وغَيِّهم، ﴿ فَمَا اسْتَكَانُوا أي: ما خَشَعوا، ﴿ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ أي: ما دعوا؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:43].

[سبب النزول]: عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أَكَلْنَا الْعِلْهِزَ -يعني: الوَبَرَ والدم- فأنزل الله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا الآية. [رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وصححه الألباني] وأصله في الصحيحين أن رسول الله دعا على قريش حين استعصوا فقال: «اللهم أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يوسف».

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أي: حتى إذا جاءهم أَمْر الله وجاءتهم الساعة بغتةً، وأَخَذَهم من عقاب الله ما لم يكونوا يَحتَسِبون، فعند ذلك أبْلَسُوا من كلِّ خير، وأَيسُوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم.

ثم ذكر تعالى نعمته على عباده في أن جَعَلَ لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم التي يدركون بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله، وأنه الفاعل المختار لِـمَا يشاء. ﴿ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ أي: وما أقلَّ شُكْرَكم لله على ما أنعم به عليكم؛ كقوله: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].

ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر، في بَرْئِهِ الخليقة وذَرْئِهِ لهم في سائر أقطار الأرض، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصِفَاتهم، ثم يوم القيامة يَجمَع الأولين منهم والآخرين لِـميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيرًا ولا كبيرًا، ولا ذَكَرًا ولا أنثى، ولا جليلًا ولا حقيرًا، إلا أعاده كما بدأه؛ ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: يُحيي الرِّمَم ويُمِيت الأُمَم، ﴿ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أي: وعن أمره تسخير الليل والنهار، كلٌّ منهما يَطلُب الآخر طَلَبًا حثيثًا، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان غيرهما؛ كقوله: ﱡﭐ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [يس:40].

﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أي: أفليس لكم عقول تَدُلُّكم على العزيز العليم، الذي قد قَهَر كل شيء، وخَضَعَ له كل شيء؟! ثم قال مخبرًا عن مُنكري البعث الذين أَشبَهوا من قبلهم من المكذِّبين: ﴿ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ﴿٨١ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البِلَى.

﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعـنون: الإعادة مُحَال، إنـما يُخْـبِر بـها من تَلَقَّـاها عن كُتُبِ الأولين واختلاقهم.

الآية (84-89): يُقَرِّر تعالى وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصرف والـمُلك ليُرشِد إلى أنه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له؛ ولهذا قال لرسوله محمد أن يقول للمشركين العابدين معه غيره، المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية، فعَبَدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عَبَدوهم لا يَخلُقون شيئًا، ولا يَملِكُون شيئًا، ولا يَستَبدُّون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زُلفَى؛ فقال: ﴿ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا أي: مَن مالكها الذي خَلَقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات، وسائر المخلوقات ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك ﴿ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره؟!

﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أي: مَن هو خالق العالم العُلْوي بما فيه من الكواكب النَّيِّرَات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم؟! يعني: الذي هو سَقْف المخلوقات. وقال الضحاك عن ابن عباس: إنما سُمِّي عَرشًا لارتفاعه. وقال مجاهد: ما السموات والأرض في العرش إلا كَحَلَقَةٍ في أرض فَلاة. وعن ابن عباس قال: العرش لا يُقَدِّرُ أحدٌ قَدْرَه إلا الله عز وجل.

ولهذا قال ههنا: ﴿ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ يعني: الكبير: وقال في آخر السورة: ﴿ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116] أي: الـحَسَنِ البَهِيِّ؛ فقد جَمَع العرش بين العظمة في الاتساع والعلو، والـحُسْن الباهر؛ ولهذا قال من قال: إنه من ياقوتة حَمراء. وقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نورُ العرش من نور وجهه.

﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ أي: إذا كنتم تعترفون بأنه ربُّ السموات وربُّ العرش العظيم، أفلا تَخَافون عقابه وتَحذَرُون عذابه، في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟! ﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ أي: بيده الملك، ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56]، أي: مُتَصرِّف فيها. فهو سبحانه الخالق المالك الـمُتَصَرِّف، ﴿ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأَجَار أحدًا، لا يُخْفَر في جواره، وليس لمن دونه أن يُجِيْر عليه، لئلا يَفْتَاتَ عليه، ولهذا قال الله: ﴿ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ أي: وهو السيد العظيم الذي لا أَعظَم منه، الذي له الـخَلْق والأَمْر، ولا مُعَقِّب لحكمه، الذي لا يُمَـانع ولا يُخَالَف، وما شاء كان، وما لم يَشَأ لم يكن.

وقوله: ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي يُجير ولا يُجَار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له، ﴿ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ؟! أي: فكيف تَذهَب عُقُولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك؟!