الآية (77): ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ﴾ مِن كُفرهم بمحمد ﷺ وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم.
﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ: آمنَّا.
الآية (78-79): ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ أي: ومن أهل الكتاب. قاله مجاهد. ﴿ أُمِّيُّونَ ﴾ الأميون: جمع أُمِّيٍّ، وهو: الرجل الذي لا يُحسن الكتابة، وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ ﴾ أي: لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي ﷺ أنه أميٌّ؛ لأنه لم يكن يُحسن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [العنكبوت:48].
﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ قال ابن عباس: قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا. وقال مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله أنهم لا يفقهون من الكتاب -الذي أنزل الله على موسى- شيئًا، ولكنهم يَتَخَرَّصون الكذب ويتخَرَّصون الأباطيل كذبًا وزورًا. و«التَّمَنِّي» في هذا الموضع: هو تَخَلُّقُ الكذب وَتَخَرُّصه. وقال ابن عباس: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ أي: ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوّتك بالظن. وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ الآية هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل. و«الويل»: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وعن ابن عباس: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ قال: هم أحبار اليهود. وعن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه أحدثُ أخبارِ اللهِ، تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ؟ وقد حَدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بَدَّلوا كتاب الله وغيَّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا؛ أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أُنزل إليكم. [رواه البخاري]، ﴿ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ قال الحسن البصري: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها. وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء ﴿ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ ويلٌ لهم مما أكلوا به من السحت.
الآية (80): يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادَّعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودةً، ثم يَنْجُون منها، فردَّ الله عليهم ذلك بقوله: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ﴾ أي: بذلك؟ فإن كان قد وقع عهدٌ فهو لا يُخْلِف عهدَه. ولكن هذا ما جرى ولا كان. ولهذا أتى بـ﴿ أَمْ ﴾ التي بمعنى: بل، أي: بل ﴿ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ من الكذب والافتراء عليه.
الآية (81-82): يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه مَن عمل سيئةً ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾، وهو مَن وافَى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات - فهذا من أهل النار، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالله ورسوله ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ -من العمل الموافق للشريعة- فهم من أهل الجنة.
وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [النساء:123، 124]. وعن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: «إيَّاكم ومُحَقَّرَاتِ الذنوب، فإنهن يَجْتَمِعن على الرجل حتى يُهْلِكْنَه» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر].
وقال ابن عباس: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾: أي من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدًا، لا انقطاع له.
الآية (83): يذكّر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولّوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل:36] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يُعبَد وحده لا شريك له، ثم بعده حقّ المخلوقين، وآكدُهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يَقرِن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان:14] وقال تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ الآية [الإسراء:23]. وعن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله! أيُّ العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثم أيّ؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أيّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» [متفق عليه].
﴿ وَالْيَتَامَىٰ ﴾ وهم: الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. ﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾: الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم. ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ أي: كَلِّموهم طيِّبًا، ولِينُوا لهم جانبًا، قال الحسن البصري: فالحُسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حُسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُق حَسَن رضيَهُ الله. وناسَب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حُسنًا، بعدما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، ثم أكّد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمُعيّن من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾، وأخبر أنهم تَوَلَّوا عن ذلك كلِّه، أي: تَركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عَمْدٍ بعد العلم به، إلا القليل منهم، وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36]، فقامت من ذلك بما لم تقُم به أُمّةٌ من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.