الآية (77-79): يقول تعالى مُخبرًا أنه أَمَر موسى عليه السلام حين أبى فرعون أن يُرسِل معه بني إسرائيل، أن يَسرِي بهم في الليل، ويَذْهَب بهم من قبضة فرعون. وقد بَسَطَ الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة؛ وذلك أن موسى لَـمَّا خَرَج ببني إسرائيل أصبحوا، وليس منهم بمصر لا داعٍ ولا مجيب، فغَضِبَ فرعون غضبًا شديدًا، وأرسل في المدائن حاشرين، أي: من يجمعون له الـجُنْد من بلدانه ورَسَاتِيقه[1]، ثم لَـمَّا جَمَعَ جنده واسْتَوْثَقَ له جيشه، ساق في طلبهم ﴿ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ﴾ [الشعراء:60] أي: عند طلوع الشمس، ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾ أي: نظر كل من الفريقين إلى الآخر ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١﴾ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء:61-62]، وَوَقَف موسى ببني إسرائيل؛ البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه: ﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا ﴾ أي: من فرعون، ﴿ وَلَا تَخْشَىٰ ﴾ يعني: من البحر أن يُغْرِقَ قومك.
﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ﴾ أي: البحر ﴿ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ أي: الذي هو معروف ومشهور. وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، وكما تَقَدَّمَهُم فرعون فَسَلَكَ بهم في اليَمِّ فأَضَلَّهُم، وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾ [هود:98].
الآية (80-82): يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العِظام، ومِنَنه الجسام؛ حيث نَجَّاهم من عدوِّهم فرعون، وأقرَّ أعينهم منه، وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غَرقُوا في صبيحة واحدة، لم يَنْجُ منهم أحد؛ كما قال: ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [البقرة:50].
وعن ابن عباس قال: لَـمَّا قَدِم رسول الله ﷺ المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أَظْفَرَ الله فيه موسى على فرعون، فقال: «نحن أولى بموسى فَصُومُوه» [متفق عليه].
ثم إنه تعالى واعدَ موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلَّمَه تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هنالك، وفي غُضُون ذلك عَبَدَ بنو إسرائيل العِجل.
﴿ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ﴾ تقدم الكلام على ذلك في سورة «البقرة» وغيرها. فالـمَنُّ: حلوى كانت تَنزِل عليهم من السماء. والسَّلْوَى: طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كُلٍّ قَدرَ الحاجة إلى الغَد، لطفًا من الله، ورحمةً بهم، وإحسانًا إليهم؛ ولهذا قال: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ أي: كُلُوا من هذا الذي رزَقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به، ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ أي: أغضب عليكم، ﴿ وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ ﴾ قال ابن عباس: أي: فقد شَقِيَ.
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ ﴾ أي: كل من تاب إليَّ تُبْتُ عليه من أي ذنب كان، حتى إنه تعالى تاب على من عَبَدَ العجل من بني إسرائيل.
﴿ تَابَ ﴾ أي: رَجَع عمَّا كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية، ﴿ وَآمَنَ ﴾ أي: بقلبه، ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ أي: بجوارحه.
﴿ ثُمَّ اهْتَدَىٰ ﴾ قال ابن عباس: أي ثم لم يُشَكِّكْ. وقال سعيد بن جبير: أي: استقام على السنة والجماعة. ورُوي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف. وثم ههنا لترتيب الخبر على الخبر؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد:17].
الآية (83-87): لَـمَّا سار موسى عليه السلام ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون، ﱡﭐ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ١٣٨ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﱠ [الأعراف:138،139] وواعده ربه ثلاثين ليلةً ثم أَتبَعَها له عشـرًا، فتَمَّتْ أربعين ليلةً، فسارع موسى عليه السلام مُبادِرًا إلى الطور، واسْتَخْلَفَ على بني إسرائيل أخاه هارون؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ ﴿٨٣﴾ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي ﴾ أي: قادمون ينزلون قريبًا من الطور، ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ أي: لتزداد عني رضًا، ﴿ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴾ أخبرَ تعالى نبيَّه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عَمِلَه لهم ذلك السامري. وكَتَب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة التوراة. ﴿ فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك ﴿ غَضْبَانَ أَسِفًا ﴾ في غاية الغَضَب والـحَنَق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأَمرِهم، وتَسَلُّم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شَرَفٌ لهم، وهم قوم قد عَبَدُوا غير الله؛ ما يَعْلَمُ كل عاقل له لبٌّ بطلان وسخافة عقولهم وأذهانهم؛ ولهذا رَجَعَ إليهم ﴿ غَضْبَانَ أَسِفًا ﴾، والأسف: شدة الغضب. وقال مجاهد: أي: جَزِعًا. وقال قتادة والسدي: ﴿ أَسِفًا ﴾ أي: حزينًا على ما صَنَع قومه من بعده.
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ﴾ أي: أما وَعَدَكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحُسْن العاقبة كما شاهدتم من نُصرَتِه إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم؟! ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ﴾ أي: في انتظار ما وَعَدَكُمْ الله، ونسيان ما سَلَف من نعمه، ﴿ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ «أم» ههنا بمعنى «بل»، وهي للإضراب عن الكلام الأوَّل، وعُدول إلى الثاني؛ كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحلَّ عليكم غَضَبٌ من ربكم ﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴿٨٦﴾ قَالُوا ﴾ أي: بنو إسرائيل في جواب ما أَنَّبَهُم موسى وقَرَّعَهُم: ﴿ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ أي: عن قدرتنا واختيارنا. ثم شَرَعُوا يعتذرون بالعُذْر البارد؛ يخبرونه عن تَوَرُّعِهم عمَّا كان بأيديهم من حُليِّ القِبْط الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خَرجُوا من مصـر، ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ أي: ألقيناها عَنَّا. ثم جاء ذلك السَّامِرِيُّ فأَلْقَى عليها تلك القبضة التي أَخَذَها من أثر الرسول، ولهذا قالوا: ﴿ فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴾.