حجم الخط:

الآيات (77-88)

الآية (77-81): ﴿ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أي: هُدًى لقلوب المؤمنين، ورحمة لهم. ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي: يوم القيامة ﴿ بِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه ﴿ الْعَلِيمُ بأفعال عباده وأقوالهم.

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي: في أمورك، وبَلِّغْ رسالةَ ربك. ﴿ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ أي: أنت على الحقِّ الْـمُبِين وإن خالَفَك مَن خَالَفَكَ ممَّن كُتِبَتْ عليه الشقاوة وحَقَّتْ عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون، ﱡﭐ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يونس:97]؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ أي: لا تُسْمِعُهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غِشاوة، وفي آذانهم وَقْر الكفر؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴿٨٠ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ ۖ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي: إنما يستجيب لك من هو سميع بصير؛ السمع والبصر النافع في القلب والبصيرة، الخاضع لله، ولِـمَا جاء عنه على ألسنة الرسل عليهم السلام.

الآية (82): هذه الدَّابَّة تَخرُج في آخر الزمان عند فَسَاد الناس وتَرْكِهم أوامرَ الله وتَبْدِيلهم الدين الحقَّ، يُخْرِج الله لهم دابَّة من الأرض -قيل: من مكة. وقيل: من غيرها- فَتُكَلِّم الناس على ذلك.

قال ابن عباس والحسن وقتادة -ورُوِيَ عن عليٍّ-: تُكَلِّمُهم كَلَامًا؛ أي: تُخَاطبهم مخاطبة. وقال عطاء الخراساني: تُكَلِّمُهم فتقول لهم: إن ﴿ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ [1]. واختاره ابن جرير. وفي هذا القول نَظَرٌ لا يَخْفَى، والله أعلم. وقال ابن عباس -في رواية-: تَجْرَحُهُمْ. وعنه -في رواية-: كُلًّا تَفْعَل. يعني هذا وهذا، وهو قول حَسَن، ولا منافاة، والله أعلم. روى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله يقول: «إن أَوَّلَ الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من مَغرِبها، وخروج الدَّابَّة على الناس ضُحًى، وأيَّتُهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أَثَرِها قريبًا». وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة» [رواه مسلم].

الآية (83-86): يقول تعالى مخبرًا عن يوم القيامة، وحَشْر الظالمين المكذِّبين بآيات الله ورسله إلى بين يدي الله عز وجل ليسألهم عمَّا فَعَلوه في الدار الدنيا، تقريعًا وتوبيخًا، وتصغيرًا وتحقيرًا، فقال: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أي: من كل قوم وقَرن ﴿ فَوْجًا أي: جماعةً ﴿ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا .

﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ قال ابن عباس: يُدْفَعُون. وقال قتادة: وَزَعَةٌ[2] تَرُدُّ أَوَّلَـهم على آخِرِهِم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يُسَاقُونَ.

﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا أي: أُوقِفُوا بين يدي الله عز وجل في مقام المساءلة ﴿ قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: ويسألون عن اعتقادهم، وأعمالهم، فلمَّا لم يكونوا من أهل السعادة، وكانوا كما قال الله تعالى عنهم: ﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ﴿٣١ وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ [القيامة:31، 32]، فحينئذٍ قامت عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 36]. ﴿ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ أي: بُهِتُوا فلم يكن لهم جواب؛ لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظَلَمَةً لأنفسهم، وقد رُدُّوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية.

ثم قال تعالى مُنَبِّهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم، وشأنه الرفيع. الذي تَجِب طاعته والانقياد لأوامره، وتصديق أنبيائه فيما جاؤوا به من الحقِّ الذي لا مَحيدَ عنه، فقال ﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ أي: فيه ظلام تَسكُنُ بسببه حركاتهم، وتَهدَأ أنفاسهم، ويَستَريحُون مِن نَصَب التَّعَب في نهارهم. ﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا أي: منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يَتَصَرَّفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .

الآية (87-88): يُخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفَزَع في الصُّور، وأنَّ إسرافيل هو الذي يَنفُخ فيه بأمر الله تعالى، فيَنفُخ فيه أولًا نفخة الفَزَع ويُطَوِّلها، وذلك في آخر عمر الدنيا، حين تقوم الساعة على شِرار الناس من الأحياء، فيَفزَع من في السموات ومن في الأرض ﴿ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، وهم الشهداء؛ فإنهم ﱡﭐ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169].

عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله : «.. فيَبقَى شرار الناس في خِفَّة الطَّير وأحلام السباع، لا يَعرِفون معروفًا، ولا يُنكِرون منكرًا، فيَتَمَثَّل لهم الشيطان فيقول: ألَا تستجيبون؟ فيقولون: فما تَأمُرُنا؟ فيَأمُرُهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دَارٌّ رِزْقُهم حَسَنٌ عَيْشُهُم. ثم يُنفخ في الصُّوْر فلا يَسَمَعه أحدٌ إلا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا». قال: «فَيَصْعَقُ الناس، ثم يُرسِل الله -أو قال: يُنْزِل الله- مطرًا كأنه الطَّل -أو قال: الظِّل- فتَنْبُتُ منه أجساد الناس، ثم يُنْفَخُ فيه أُخرَى فإذا هم قيام ينظرون» [رواه مسلم]. وقوله: «لِيتًا»، اللِّيتُ: صفحة العنق، أي: أَمَالَ عُنُقَه ليَسْتَمِعه من السماء جيِّدًا. فهذه نفخة الفَزَع. ثم بعد ذلك نفخة الصَّعْق، وهو الموت. ثم بعد ذلك نفخةُ القيام لرَبِّ العالمين، وهو النشور من القبور لجميع الخلائق؛ ولهذا قال: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ أي: صاغرين مُطِيعِين، لا يَتَخَلَّف أحد عن أَمْره؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [الإسراء:52]، وقال: ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [الروم:25]، وقال: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43]. وقوله: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ أي: تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تَـمُرُّ مَرَّ السحاب، أي: تزول عن أماكنها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:105-107]. وقوله: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي قد أَتْقَنَ كلَّ ما خَلَقَ، وأَودَعَ فيه مِن الحكمة ما أَودَعَ ﴿ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ أي: هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر، فيجازيهم عليه.