حجم الخط:

الآيات (77-95)

الآية (77-78): [سبب النزول]: عن خبّاب بن الأرَتّ قال: كنت رجلًا قَيْنًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا، والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثُمَّ تبعث. قال: فإني إذا متُّ ثُم بعثت جئتني ولي ثَمَّ مال وولد، فأعطيتك. فأنزل الله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا إلى قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [متفق عليه]. قال البخاري: ﴿ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا : موثقًا.

وقوله: ﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ : إنكار على هذا القائل: ﴿ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا -يعني يوم القيامة- أي: أَعَلِمَ ما له في الآخرة حتى تَألَّى وحلف على ذلك؟! ﴿ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟! وقال ابن عباس: ﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا قال: لا إله إلا الله، فيرجو بها.

الآية (79-80): ﴿ كَلَّا هي حرف رَدْع لما قبلها وتأكيد لما بعدها ﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ أي: مِنْ طَلَبِهِ ذلك وحُكْمِه لنفسه بما تمنَّاه، وكفره بالله العظيم، ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا أي: في الدار الآخرة، على قوله ذلك وكفره في الدنيا، ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ أي: من مال وولد؛ نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يُؤْتى في الدار الآخرة مالًا وولدًا زيادة على الذي له في الدنيا؛ بل في الآخرة يُسلَب مِنَ الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْدًا أي: من المال والولد، لا يتبعه قليل ولا كثير.

الآية (81-82): يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم: أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الآلهة ﴿ عِزًّا يعتزون بها ويستنصرونها. ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طَمِعُوا، فقال: ﴿ كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ أي: يوم القيامة، ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا أي: بخلاف ما ظنوا فيهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿٥ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5، 6]. وقال السُّدي: ﴿ كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ أي: بعبادة الأوثان. قوله: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا أي: بخلاف ما رَجَوا منهم.

الآية (83-84): قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا قال ابن عباس: تُغويهم إغواءً. وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال قتادة: تزعجهم إزعاجًا إلى معاصي الله. وقوله: ﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي: إنما نؤخرهم لأجَلٍ معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42]، ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق:17]. قال السُّدي: ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا : السنين، والشهور، والأيام، والساعات. وقال ابن عباس: نعد أنفاسهم في الدنيا.

الآية (85- 87): يخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما زجروهم: أنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه. والوفد: هم القادمون رُكْبانًا، ومنه الوفود، وركوبُهم على نَجَائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم فإنهم يساقون عُنْفًا إلى النار ﴿ وِرْدًا عِطَاشًا، قاله ابن عباس. وههنا يقال: ﴿ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73]. وقال ابن عباس: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا : ركبانًا. وقوله: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا أي: عطاشًا، ﴿ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ أي: ليس لهم من يشفع لهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض؛ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ﴿١٠٠ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101]. ﴿ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها. قال ابن عباس: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله عز وجل.

الآية (88- 89): لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى عليه السلام وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدًا - تعالى وتقدّس وتنزَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا -فقال: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ﴿٨٨ لَقَدْ جِئْتُمْ أي: في قولكم هذا ﴿ شَيْئًا إِدًّا قال ابن عباس: أي عظيمًا.

الآية (90-95): قوله: ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة مِن فَجَرةِ بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالًا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد. عن أبي موسى قال: قال رسول الله : «ما أحدٌ أصبَر على أذى يسمعه من الله؛ إنه يُشرَك به، ويُجعل له ولد وهو يعافيهم ويدفع عنهم، ويرزقهم» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا أي: لا يصلح له، ولا يليق به لجلاله وعظمته؛ لأنه لا كفء له من خلقه؛ لأن جميع الخلائق عبيد له؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ﴿٩٣ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا أي: قد علم عَدَدَهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة؛ ذَكَرهم وأنثاهم وصغيرَهم وكبيرَهم. قوله: ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذَرّة، ولا يظلم أحدًا.