حجم الخط:

الآيات (77-96)

الآية (77-82): ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ أي: إن هذا القرآن الذي نَزَلَ على محمد لَكِتَاب عظيم ﴿ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ أي: في كتاب مُعَظَّم محفوظ مُوَقَّرٍ.

عن ابن عباس: ﴿ لَا يَمَسُّهُ قال: الكتاب الذي في السماء ﴿ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني: الملائكة. وكذا قال أنس ومجاهد وعكرمة وابن جبير وغيرهم. وقال قتادة: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يَمَسُّهُ المجوسي النجس، والمنافق الرجس. وقال ابن زيد: زَعَمت كفار قريش أن هذا القرآن تَنَزَّلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يَمَسُّه إلا المطهرون كما قال: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴿٢١٠ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٢١١ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:210-212]. وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله. وقال آخرون: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ أي: من الجنابة والحدث. قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ههنا المصحف، روى مسلم عن ابن عمر قال: نهى رسول الله أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو.

قوله تعالى: ﴿ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أي: هذا القرآن مُنزل من الله رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سِحْر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مِرْيَة فيه، وليس وراءه حق نافع.

﴿ أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ قال ابن عباس: أي مكذِّبون غير مصدِّقين. وكذا قال الضحاك والسُّدِّي. ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال بعضهم: يعني: وتجعلون رِزْقكم بمعنى شُكْرَكم أنكم تُكذِّبون، أي: تُكذِّبون بَدَل الشكر. ومن لغة أزد شنوءة: (ما رَزَق فلان) بمعنى: (ما شَكَر فلان). وعن أبي هريرة، عن رسول الله أنه قال: «ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين؛ ينزل الغيث فيقولون: بكوكب كذا وكذا». تفرد به مسلم. وقال مجاهد: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال: قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا؛ يقول: قولوا: هو من عند الله، وهو رزقه. وهكذا قال الضحاك وغير واحد. أما الحسن فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم؛ لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب. فمعنى قول الحسن هذا: وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به؛ ولهذا قال قبله: ﴿ أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ .

الآية (83-87): ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ أي: الرُّوح ﴿ الْحُلْقُومَ أي: الـحَلْق، وذلك حين الاحتضار، ﴿ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ أي: إلى الـمُحْتَضِر وما يُكَابِده من سكرات الموت. ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي: بملائكتنا ﴿ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ أي: ولكن لا ترونهم.

﴿ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴿٨٦ تَرْجِعُونَهَا معناه: فهَلَّا تَرْجِعُون هذه النفس التي قد بَلَغَت الحلقوم إلى مكانها الأول، ومَقَرِّها في الجسد ﴿ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ قال ابن عباس وغيره: يعني محاسبين. وقال ابن جبير والحسن: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ : غير مُصَدِّقِين أنكم تُدَانُون وتُبْعَثُون وتُجْزَوْن، فرُدُّوا هذه النفس. وعن مجاهد: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ غير مُوقِنِين.

الآية (88-96): هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم: ﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ أي: المحتضر ﴿ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات؛ ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ أي: فلهم رَوْح وريحان، وتُبَشِّرهم الملائكة بذلك عند الموت. قال ابن عباس: ﴿ فَرَوْحٌ : راحةٌ ﴿ وَرَيْحَانٌ : مستراحة. وقال مجاهد: الرَّوْح: الاستراحة. وقال ابن جبير والسُّدِّي: الرَّوح: الفَرَح. وعن مجاهد: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ : جنة ورخاء. وقال قتادة: ﴿ فَرَوْحٌ : فرحمة. وقال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: ﴿ وَرَيْحَانٌ : ورزق. وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة؛ فإن من مات مُقَرَّبًا حَصَل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور والرزق الحسن ﴿ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ .

وقوله: ﴿ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ أي: وأما إن كان المحتضر من أصحاب اليمين ﴿ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ أي: تُبَشِّرُهُم الملائكة بذلك؛ تقول لأحدهم: سلامٌ لك، أي: لا بأس عليك، أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين. وقال قتادة وابن زيد: سَلِمَ من عذاب الله، وسَلَّمَت عليه ملائكة الله. كما قال عكرمة تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وهذا معنى حسن. وقال البخاري: ﴿ فَسَلَامٌ لَكَ أي: مُسَلَّم لك أنَّك من أصحاب اليمين. وأُلغيت «أنَّ» وبقي معناها.

﴿ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٩٢ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴿٩٣ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي: وأما إن كان المحتضر من المكذِّبين بالحق، الضَّالِّين عن الهدى، ﴿ فَنُزُلٌ أي: فضيافةٌ ﴿ مِنْ حَمِيمٍ وهو الـمُذَاب الذي يُصهر به ما في بطونهم والجلود. ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي: وتقرير له في النار التي تَغْمُره من جميع جهاته. ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ أي: إن هذا الخبر لهو الحق اليقين الذي لا مِريَة فيه، ولا مَحِيد لأحد عنه.

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «كلمتان خَفيفتان على اللسان، ثَقِيلتان في الميزان، حَبِيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» [متفق عليه].