حجم الخط:

الآيات (78-83)

الآية (78): يخبر تعالى عن اليهود عَليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يُحَرِّفون الكَلِم عن مواضعه ويُبَدِّلون كلام الله، ويُزِيلُونَه عنِ المراد به، ليُوهِموا الجهَلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله، وهو كذِب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذَّبوا وافتروا في ذلك كله؛ ولهذا قال: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وقال مجاهد والشعبي وغيرهما: ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ : يحرفونه.

الآية (79-80): ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: ما ينبغي لبشرٍ آتاه الله الكتاب والحُكْم والنبوة أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله. أي: مع الله. وإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسَل، فلأَنْ لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأَولى والأَحرى؛ ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته. قال: ذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا -يعني أهل الكتاب- كانوا يَتعبَّدون لأحبارِهم ورُهبانهم، كما قال الله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية [التوبة:31]. فالجهَلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذَّم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنما يأمرون بما أمَرَ الله به وبلّغتهم إياه رسله الكرام. إنما يَنْهَوْنهم عما نهاهم الله عنه وَبَلَّغَتْهُم إياه رسُلُه الكرام. فالرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعينَ- هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حَمَلوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتمَّ قيام، ونصحوا الخلق، وبلّغوهم الحق. وقوله: ﴿ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أي: ولكن يقول الرسول للناسِ: كونوا رَبَّانيين. قال ابن عباس وغير واحد: أي حُكماء عُلماء حُلَماء. وقال الحسن وغير واحد: فقهاء. وقال الضحاك في قوله: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ حَقٌّ على مَن تعلَّم القرآن أن يكون فَقيهًا، ﴿ تَعْلَمُونَ بالتخفيف أي: تفهمون معناه. وقُرئ: ﴿ تُعَلِّمُونَ بالتشديد: من التعليم، ﴿ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ : تحفظون ألفاظه. ثم قال: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبيٌّ مُرسَل ولا ملَكٌ مُقَرَّب، ﴿ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي: لا يَفْعَل ذلك؛ لأنَّ من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ الآية [النحل:36]، وقال: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45].

وقال إخبارًا عن الملائكة: ﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:29].

الآية (81-82): يُخبر تعالى أنه أَخَذ ميثاق كل نبي بَعَثه من لَدُنْ آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام لَمَهْمَا آتى اللهُ أحدَهم من كتابٍ وحكمة، وبلَغ أيّ مَبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمِنَنَّ به ولينصُرَنَّه، ولا يمنعُه ما هو فيه من العلم والنبوة مِن اتباع من بُعِثَ بعده ونُصرتِه؛ ولهذا قال تعالى وتقدّس: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ أي: لَمَهْمَا أعطيتكم من كتاب وحكمة ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قال ابن عباس ومجاهد: يعني عهدي. ﴿ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿٨١ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ أي: عن هذا العهد والميثاق ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ قال علي بن أبي طالب وابن عباس: ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء إلا أَخَذَ عليه الميثاق: لئن بُعِثَ محمدٌ وهو حَيّ ليؤمننّ به ولينصُرَنَّه، وأمَرَه أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بُعِث محمد وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به ولينصرُنَّه. وقال طاووس، والحسن البصري، وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدّق بعضهم بعضا. وهذا لا يضادّ ما قاله عليّ وابن عباس، ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه. فالرسول محمد خاتم الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليه دائـمًا إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم، الذي لو وُجِد في أي عصر لكان هو الواجب الطاعة المقدَّم على الأنبياء كلهم؛ ولهذا كان إمامَهُم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في يوم الحشر في إتيان الرب لِفَصْل القضاء، وهو المقام المحمود الذي لا يَلِيقُ إلا له، والذي يَحِيْدُ عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تَنتهي النَّوبة إليه، فيكونَ هو المخصوص به.

الآية (83): يقول تعالى مُنكرًا على من أراد دينًا سوى دين الله، الذي أَنْزَل به كُتبَه وأرسل به رسلَه، وهو عبادته وحده لا شريك له، الذي ﴿ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: استسلم له مَن فيهما طوعًا وكرهًا، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [الرعد:15]. وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴿٤٨ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٤٩ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:48-50]. فالمؤمن مُسْتَسْلِمٌ بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرهًا، فإنه تحت التسخير والقَهر والسلطان العظيم، الذي لا يُخَالَف ولا يُـمَانَع. ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ أي: يوم المَعَاد، فيُجَازِي كلًّا بعمله.