حجم الخط:

الآيات (78-84)

الآية (78): يقول تعالى مخبرًا عن جواب قارون لقومه، حين نَصَحُوه وأَرشَدُوه إلى الخير: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي أي: أنا لا أَفْتَقِرُ إلى ما تقولون؛ فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لِعِلْمِه بأني أَسْتَحِقُّه، ولمحبته لي، فتقديره: إنما أُعْطِيتُهُ لِعِلْم الله فيَّ أني أَهْلٌ له[1]؛ كقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ [الزمر:49] أي: على عِلْمٍ مِن الله بي، وكقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي [فصلت:50] أي: هذا أَسْتَحِقُّه؛ ولهذا قال الله تعالى -رادًّا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال-: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا، وما كان ذلك عن مَحَبَّة مِنَّا له، وقد أَهْلَكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ أي: لكثرة ذنوبهم. وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ فإنه قال في قوله: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي قال: لولا رِضَا الله عني، ومعرفته بفَضْلي ما أَعْطَاني هذا المال، وقرأ: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ وهكذا يقول من قَلَّ عِلْمُه إذا رأى من وَسَّــع الله عليه يقول: لولا أنه يَسْــتَحِقُّ ذلك لَـمَا أُعْطِي.

الآية (79-80): يقول تعالى مخبرًا عن قارون: إنه خَرَجَ ذات يوم على قومه في زينةٍ عظيمة، وتَجَمُّلٍ بَاهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خَدَمِهِ وحَشَمِه، فلمَّا رآه من يُريْد الحياة الدنيا ويَمِيْل إلى زَخَارفها وزينتها، تَـمَنَّوا أن لو كان لهم مثل الذي أُعْطِيَ، قالوا: ﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أي: ذو حَظٍّ وافر من الدنيا. فلمَّا سَمِع مقالتهم أهلُ العلم النافع قالوا لهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير ممَّا ترون؛ كما في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بَشَرٍ، واقرؤوا إن شِئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]» [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ : قال السُّدي: وما يُلَقَّى الجنة إلا الصابرون. كأنه جَعَل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: وما يُلَقَّى هذه الكلمة إلا الصابرون عن مَحَبَّة الدنيا، الراغبون في الدار الآخرة. وكأنه جَعَل ذلك مقطوعًا من كلام أولئك، وجَعَلَه من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك.

الآية (81-82): لَـمَّا ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفَخْره على قومه وبَغْيه عليهم، عَقَّبَ ذلك بأنه خَسَفَ به وبدَارِه الأرض؛ كما روى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله قال: «بينا رجل يَجُرُّ إِزَارَه إذ خُسِفَ به، فهو يَتَجَلْجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة».

وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ أي: ما أَغْنَى عنه مالُه، وما جَمَعه، ولا خَدَمُه وحَشَمُه. ولا دَفَعُوا عنه نِقْمَة الله وعذابه ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصرًا لنفسه، فلا ناصر له من نفسه، ولا من غيره.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ أي: الذين لَـمَّا رأوه في زينته قالوا: ﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ، فلمَّا خُسِفَ به أصبحوا يقولون: ﴿ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ أي: ليس المال بِدَالٍّ على رضا الله عن صاحبه؛ فإن الله يُعْطِي ويَمْنَع، ويُضَيِّقُ ويُوَسِّع، ويَخْفِض ويَرْفع، وله الحكمة التَّامَّة والحجة البالغة. ﴿ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا أي: لولا لُطف الله بنا وإحسانه إلينا لَـخَسَفَ بنا كما خَسَفَ به، لأنَّا وَدِدْنا أن نكون مثله. ﴿ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ يعنون: أنه كان كافرًا، ولا يُفْلِح الكافرون عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وقد اختُلف في معنى ﴿ وَيْكَأَنَّ فقال بعضهم: معناها: «ويلك اعلم أن»، وقيل: معناها: ألم تر أن. قاله قتادة. قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة.

الآية (83-84): يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها الْـمُقِيمِ الذي لا يَحُول ولا يَزُول، جَعَلَها لعباده المؤمنين الـمُتَوَاضِعين، الذين ﴿ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ، أي: تَرَفُّعًا على خَلْق الله وتَعَاظُمًا عليهم وتَجَبُّرًا بهم، ولا فسادًا فيهم. كما قال عكرمة: العُلُو: التَّجَبُّر. وقال سعيد بن جبير: العلو: البَغْي.

وقال ابن جُرَيْج: ﴿ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ : تَعْظُّـمًا وتَجَبُّرًا.

﴿ وَلَا فَسَادًا : عملًا بالمعاصي. وقال عليٌّ: إن الرجل ليُعْجِبُهُ مِن شِرَاك نَعْله أن يكون أَجْوَدَ من شِرَاك صاحبه، فيَدْخُل في قوله: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفَخْر والتطاول على غيره؛ فإن ذلك مذموم، كما ثَبَتَ في الصحيح عن النبي أنه قال: «إنه أُوحِيَ إليَّ أن تَواضَعُوا، حتى لا يَفْخَرَ أحدٌ على أحد، ولا يَبْغِي أحدٌ على أحد» [رواه مسلم]، وأما إذا أَحَبَّ ذلك لِـمُجرَّد التجمُّل فهذا لا بأس به؛ فقد ثَبَتَ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أُحِبُّ أن يكون ردائي حَسَنًا ونَعْلِي حسنةً، أفمن الكِبْر ذلك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يُحِبُّ الجمال» [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ أي: يوم القيامة ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا أي: ثواب الله خير من حَسَنَة العبد، فكيف والله يُضَاعِفه أضعافًا كثيرة؟! فهذا مقام الفضل. ثم قال: ﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:90] وهذا مقام الفَضْلِ والعَدْل.