حجم الخط:

الآيات (79-86)

الآية (79): ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ كما قلتم واعترفتم، ﴿ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ إن أخذنا بَرِيئًا بِسَقِيمٍ.

الآية (80-82): ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا يخبر تعالى عن إخوة يوسف: أنهم لَـمَّا يَئسوا من تَخلِيص أخيهم بنيامين، الذي قد التزموا لأبيهم بِرَدِّه إليه، وعاهدوه على ذلك، فامتنع عليهم ذلك ﴿ خَلَصُوا أي: انفردوا عن الناس ﴿ نَجِيًّا يتناجون فيما بينهم.

﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما هَمُّوا بقتله، قال لهم: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لتَرُدُّنَّه إليه، فقد رأيتم كيف تعذَّر عليكم ذلك مع ما تقدَّم لكم من إضاعة يوسف عنه، ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أي: لن أفارق هذه البلدة ﴿ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي في الرجوع إليه راضيًا عني، ﴿ أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي قيل: بالسيف. وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخي ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ .

ثم أَمَرَهم أن يُخبروا أباهم بصورة ما وَقَع، حتى يكون عذرًا لهم عنده، ويتنصَّلوا إليه، ويبرؤوا ممَّا وَقَع بقولهم.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ قال عكرمة وقتادة: ما نعلم أن ابنك سَرَق. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه يَسْرِقُ له شيئًا، إنما سأَلَنَا ما جزاءُ السارق؟ ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا : قيل: المراد مصر؛ قاله قتادة، وقيل: غيرها. ﴿ وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا أي: التي رافقناها، عن صدقنا وأمانتنا وحِفظنا وحراستنا، ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فيما أخبرناك به من أنه سَرَق وأخذوه بسرقته.

الآية (83-86): قال لهم كما قال لهم حين جاؤوا على قميص يوسف بدم كذب: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال ابن إسحاق: لَـمَّا جاؤوا يعقوب وأخبروه بما جري اتَّهَمَهم، وظنَّ أنها كَفَعْلَتِهِم بيوسف، ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . ثم تَرَجَّى من الله أن يَرُدَّ عليه أولاده الثلاثة: يوسف وأخاه بنيامين، والذي أقام بديار مصـر ينتظر أَمرَ الله فيه: إما أن يرضى عنه أبوه فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خُفيَة؛ ولهذا قال: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ أي: العليم بحالي، ﴿ الْحَكِيمُ في أفعاله وقضائه وقدره.

﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ أي: أعرض عن بَنِيْه، وقال -متذكرًا حُزنَ يوسف القديم الأول-: ﴿ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ جَدَّد له حزنُ الابنين الحزن الدفين. قال سعيد بن جبير: لم يُعْطَ أحد غيرَ هذه الأمة الاسترجاع، ألَا تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام: ﴿ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق. قاله قتادة وغيره.

وقال الضحاك: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ : كَمِيدٌ حَزِينٌ. فعند ذلك رَقَّ له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: ﴿ تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ أي: لا تُفَارِقُ تَذَكُّر يوسف ﴿ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أي: ضعيف الجسم، ضعيف القوة، ﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ يقولون: وإن استمرَّ بك هذا الحال خَشينا عليك الهلاك والتَّلَف.

﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ أي: أجابهم عما قالوا بقوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي أي: هَمِّي وما أنا فيه ﴿ إِلَى اللَّهِ وحده، ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ أي: أرجو منه كل خير. وعن ابن عباس: أعلم أن رؤيا يوسف صادقةٌ، وأني سوف أَسجُد له.