حجم الخط:

الآيات (8-17)

الآية (8): ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ أي: فيصرفهم عنكم ﴿ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ۘ أي: متى عدتم إلى الإفساد ﴿ عُدْنَا إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما نَدَّخِرُه لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا أي: مستقرًا ومَحْصَرًا وسجنًا لا محيد لهم عنه. قال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل، فسلَّط الله عليهم هذا الحي، محمدًا وأصحابه، يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون.

الآية (9-10): يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد وهو القرآن، بأنه يهدي لأَقْومِ الطُّرق، وأوضح السُبُل ﴿ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ به ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ على مقتضاه ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا أي: يوم القيامة. قوله: ﴿ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: ويُبَشِّر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن ﴿ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا أي: يوم القيامة، كما قال: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران:21].

الآية (11): يخبر تعالى عن عَجَلَة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله ﴿ بِالشَّرِّ أي: بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ [يونس:11]، كذا فسره ابن عباس وغيره، وإنما يَحْمِلُ ابن آدم على ذلك عجلته وقلقه؛ ولهذا قال: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا .

الآية (12): يَمْتَنُّ تعالى على خَلْقِه بآياته العظام؛ فمنها مخالفته بين الليل والنهار، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع والأعمال والأسفار، وليعلموا عددَ الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مُضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك ﴿ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ فإنه لو كان الزمان كله نَسَقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا لما عُرِفَ شيء من ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62]. ثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي: علامة يُعْرف بها وهي الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وظهور الشمس النَّيِّرة فيه، وفاوتَ بين نور القمر وضياء الشمس؛ ليعرف هذا من هذا؛ كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ الآية [يونس: 5]. قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار ﴿ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ السواد الذي في القمر. وقد روى ابن جرير من طرق متعددة جيدة: أن ابن الكَوَّاء سأل علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك. أما تقرأ القرآن ﴿ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ فهذه محوه.

الآية (13-14): يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وطائره: هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس: من خير وشر، يُلزم به ويجازى عليه ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:5-6]. والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساء. قوله: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا أي: نجمع له عمله كله في كتاب يُعْطَاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيدًا، أو بشماله إن كان شقيًا، ﴿ مَنْشُورًا أي: مفتوحًا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره. قوله: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا أي: إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأُمِّي. وإنما ذَكَرَ العُنُقَ؛ لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه.

الآية (15): يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة، فإنما يُحصِّلُ عاقبةَ ذلك الحميدة لنفسه ﴿ وَمَنْ ضَلَّ أي: عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعودُ وَبَالُ ذلك عليه. ثم قال: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ [فاطر:18]. ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: 13]، وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: 25]، فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئا. وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذِّب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه؛ كقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨ قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك: 8، 9].

الآية (16): اختلف القراء في قراءة قوله: ﴿ أَمَرْنَا فالمشهور قراءة التخفيف، واختلف المفسـرون في معناها، فقيل: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا أمرًا قدريًا؛ كقوله تعالى: ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا [يونس:24]، فإن الله لا يأمر بالفحشاء. قالوا: إنه سخَّرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب. وقيل: معناه: أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة. قاله ابن عباس. وقال ابن جرير: وقد يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء. قلت: إنما يجيء على قراءة من قرأ «أمَّرنا مُتْرَفِيها». قال ابن عباس: سلَّطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب، وهو قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [الأنعام:123]. وقال ابن عباس: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا : أكثرنا عددهم. وعن الزهري: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا : أكثرنا.

الآية (17): يقول تعالى منذرًا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدًا بأنه قد أهلك أممًا من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام، كما قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. ومعناه: أنكم أيها المكذبون لستُم أكرمَ على الله منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى. قوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا أي: هو عالم بجميع أعمالهم، خيرِها وشرِّها، لا يخفى عليه منها خافية سبحانه وتعالى.