الآية (80): يُخبِر تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم. وقد قيل: إن السبعين إنما ذُكرت حسمًا لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها. وقيل: بل لها مفهوم كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: «أسمع ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة، لعل الله أن يغفر لهم» فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المنافقون:6].
الآية (81-82): يقول تعالى ذَامًّا للمنافقين المتخلِّفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بمقعدهم بعد خروجه ﴿ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا ﴾ معه ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا ﴾ أي: بعضهم لبعض: ﴿ لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ﴾ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحرِّ، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا: ﴿ لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ﴾ قال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ نَارُ جَهَنَّمَ ﴾ التي تصيرون إليها بسبب مخالفتكم ﴿ أَشَدُّ حَرًّا ﴾ ممَّا فررتم منه من الحرِّ، بل أشد حرًّا من النار. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نار بني آدم التي يُوقِدُون بها جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم» فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافيةً. قال: «إنها فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءًا» [متفق عليه]. وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لَـمَن له نعلان وشِرَاكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، لا يرى أن أحدًا من أهل النار أشدُّ عذابًا منه، وإنه أهونهم عذابًا» [متفق عليه].
﴿ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ أي: لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحرِّ؛ ليتَّقوا به حَرَّ جهنم، الذي هو أضعاف أضعاف هذا.
ثم قال الله تعالى ﷻ متوعِّدًا لهؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل استأنفوا بكاءً لا ينقطع أبدًا. وكذا قال الحسن، وغيرهما.
الآية (83): يقول تعالى آمرًا لرسوله ﷺ: ﴿ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ ﴾ أي: رَدَّك الله من غَزْوَتك هذه ﴿ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ ﴾ قال قتادة: ذُكِر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا، ﴿ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ﴾ أي: تعزيرًا لهم وعقوبةً. ثم علَّل ذلك بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [الأنعام:110]؛ فإن من جزاء السيئةِ السيئةَ بعدها، كما أن من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها. وقوله: ﴿ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ قال ابن عباس: أي الرجال الذين تَخَلَّفوا عن الغَزَاة.
الآية (84): أَمَر الله تعالى رسوله ﷺ أن يَبْرَأَ من المنافقين، وألَّا يُصلّي على أحد منهم إذا مات، وألَّا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا عليه. وهذا حكمٌ عام في كل من عُرف نِفاقُه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول رأس المنافقين.
[سبب النزول]: عن ابن عمر قال: لَـمَّا توفي عبد الله [بن أُبيّ] جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ، فسأله أن يعطيه قميصه يُكَفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يُصلِّي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله ﷺ: «إنما خَيَّرَني الله فقال: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ وسأزيده على السبعين». قال: إنه منافق! قال: فصَلَّى عليه رسولُ الله ﷺ. فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ﴾ [متفق عليه]. وقد روي من حديث عمر ابن الخطاب نفسه بنحوٍ من هذا [وفيه]: «إني خُيِّرت فاخترتُ، ولو أعلم أني إنْ زدتُ على السبعين يُغْفَر له؛ لزدت عليها». قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ﴾ [رواه البخاري].
ولَـمَّا نَهَى الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا الصنيعُ من أكبر القُرُبات في حق المؤمنين، فشُرِع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل؛ لِـمَا ثبت من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من شهد الجنازة حتى يُصَلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفَن فله قيراطان». قيل: وما القيراطان؟ قال: «أصغرهما مثل أُحُد» [متفق عليه]. وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات فعن عثمان قال: كان رسول ﷺ إذا فَرَغ من دفن الرجل وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسْأَل» [رواه أبو داود، وصححه الألباني].
الآية (85-86)[1]: يقول تعالى مُنكِرًا وذامًّا للمتخلفين عن الجهاد، الناكلين عنه مع القدرة عليه، ووجود السعة والطَّوْل، واستأذنوا الرسول في القعود، وقالوا: ﴿ ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء -وهُنَّ الخوالف- بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أَجْبَنَ الناس، وإذا كان أَمْنٌ كانوا أكثر الناس كلامًا؛ كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ [الأحزاب:19]، أي: عَلَتْ ألسنتُهم بالكلام الحادِّ القوي في الأمن، وفي الحرب أَجْبَن شيء.
وقال في الآية الأخرى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ﴿٢٠﴾ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد:20-21].