حجم الخط:

الآيات (82-87)

الآية (82): أي: ما أجابوا لوطًا إلا أن هَمُّوا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهُرِهم، فأخرَجَه الله تعالى سالـمًا، وأهلَكَهم في أرضهم صاغرين مُهانين.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ قال قتادة: عابُوهم بغير عيب. وقال مجاهد: إنهم أناس يتطهَّرون من أدبار الرجال وأدبار النساء. ورُوي مثله عن ابن عباس أيضًا.

الآية (83-84): يقول تعالى: فأنجينا لوطًا وأهله، ولم يُؤمِن به أحدٌ منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٣٥ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:35-36]، إلا امرأته فإنها لم تُؤمِن به، بل كانت على دين قومها، تُـمَالِئهُم عليه وتُعْلِمُهم بمن يَقْدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم؛ ولهذا لـمَّا أُمِر لوط عليه السلام أن يسرِي بأهله أُمِرَ ألَّا يُعلِمَها ولا يُخرِجَها من البلد. ومنهم من يقول: بل اتّبعتهم، فلما جاء العذابُ التفتَتْ هي فأصابها ما أصابهم. والأظهر أنها لم تخرج من البلد، ولا أَعلَمَها لوط، بل بقيت معهم؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ أي: الباقين، وقيل: من الهالكين، وهو تفسير باللازم.

وقوله: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا مُفسَّر بقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ﴿٨٢ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82-83]، ولهذا قال: ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أي: انظر -يا محمد- كيف كان عاقبة من يجترئ على معاصي الله ويكذّب رسله.

وقد ذَهَب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن اللائِط يُلقَى من شاهق، وَيُتْبَعُ بالحجارة كما فُعِل بقوم لُوط. وذَهب آخرون من العلماء إلى أنه يُرجَم، سواءً كان مُحصَنًا أو غير مُحصَن، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله، والحجة ما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» [رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وحسن إسناده أحمد شاكر]. وقال آخرون: هو كالزاني، فإذا كان مُحصَنًا رُجِم، وإن لم يكن مُحصَنًا جُلِد مائة جلدة. وهو القول الآخر للشافعي. وأما إتيان النساء في الأدبار، فهو اللُّوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء.

الآية (85): مَدْيَن تُطلَق على القبيلة، وعلى المدينة، وهي التي بقُرب «مَعَان» من طريق الحجاز؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص:23]، وهم أصحاب الْأَيْكَةِ. ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هذه دعوة الرسل كلهم، ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به. ثم وَعَظَهم في معاملتهم الناس بأن يُوفُوا الْـمِكيَال والميزان، ولا يَبخَسوا الناس أشياءهم، أي: لا يَخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان خُفْية وتدليسًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣ أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:1-6]، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، نسأل الله العافية منه.

الآية (86-87): قال تعالى إخبارًا عن شعيب، الذي يُقَال له: «خطيب الأنبياء»، لفَصَاحة عبارته، وجَزَالة مَوعِظَته: ﴿ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ الآية.

ينهاهم شعيب عليه السلام عن قطع الطريق الحِسِّي والمعنوي بقوله: ﴿ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ أي: تَتَوَعَّدُون الناس بالقتل إن لم يُعطوكم أموالهم. قال السُّدي وغيره: كانوا عَشَّارِين. وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي: تَتَوَعَّدُون المؤمنين الْآتِينَ إِلى شعيب لِيَتَّبِعُوه. والأول أَظهَر؛ لأنه قال: ﴿ بِكُلِّ صِرَاطٍ وهو الطريق، وهذا الثاني هو قوله: ﴿ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا أي: وَتَوَدُّون أن تكون سبيل الله عوجًا مائلةً، ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أي: كنتم مُسْتَضْعَفين لِقِلَّتِكم فَصِرْتُم أعزَّةً لكثرة عَدَدِكم، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك، ﴿ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال بِاجْتِرَائِهِم على معاصي الله وتكذيب رسله.

وقوله: ﴿ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا أي: قد اختلفتم عليّ ﴿ فَاصْبِرُوا أي: انتظروا ﴿ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا أي: يفصل ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين.