حجم الخط:

الآيات (82-88)

الآية (82): يقول تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا وكان ذلك عند طلوع الشمس ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا وهي قريتهم سَدُوم ﴿ سَافِلَهَا [1]؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴿٥٣ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ [النَّجْمِ:53-54] أي: أمطرنا عليها ﴿ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ وهي بالفارسية: حجارة من طين. قاله ابن عباس وغيره. وقد قال في الآية الأخرى: ﴿ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات:33] أي: مُستحجرة قوية شديدة. وقال بعضهم: مشويّة. وقال البخاري: ﴿ سِجِّيلٍ : الشديد الكبير؛ سجّيل وسجّين واحد؛ اللام والنون أُختان. قوله: ﴿ مَنْضُودٍ قال بعضهم: منضودة في السماء أي: مُعَدّة لذلك. وقال آخرون: أي: يتبع بعضها بعضًا في نزولها عليهم.

الآية (83): ﴿ مُسَوَّمَةً أي: مُعَلَّمَةً مختومة، عليها أسماء أصحابها؛ كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه. وذكروا أنها نزلت على أهل البلد، وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدّث، إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس، فدمَّره، فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد، حتى أهلكتهم عن آخرهم، فلم يبقَ منهم أحد. وقال مجاهد: أخذ جبريلُ قوم لوط من سَرْحِهم ودُورهم، حمَلهم بمواشيهم وأمتعتهم، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نُباح كلابهم ثم أكفأَهُم، وكان حملهم على خوافي جناحه الأيمن. قال: ولما قلبَها كان أول ما سقط منها شُرفاتها. وعن قتادة وغيره: بلغَنا أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قُصُورها ودوابها وحجارتها وشجرها، وجميع ما فيها، فضمَّها في جناحه، فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها، فأرسلها إلى الأرض منكوسة، وَدَمْدَم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل. وقال السُّدّي: لما أصبح قوم لوط نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء، حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم، وأصوات ديوكهم، ثم قلَبها فقتلهم، فذلك قوله: ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم:53]، ومن لم يَمُتْ حين سقط للأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ [الحجر:74] أي: في القرى حجارة من سجيل. قوله: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ أي: وما هذه النقمة ممن تَشَبَّه بهم في ظلمهم ببعيد عنه.

الآية (84): يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين، وهم قبيلة من العرب، كانوا يسكنون بين الحجاز والشام، قريبًا من بلاد معان، في بلد يُعرف بهم، يقال لها «مدين» فأرسل الله إليهم شُعيبًا، وكان من أشرفهم نسبًا؛ ولهذا قال: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده، وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان، ﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ أي: في معيشتكم ورزقكم فأخاف أن تُسلَبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله، ﴿ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ أي: في الدار الآخرة.

الآية (85-86): ينهاهم أولًا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومُعطين، ونهاهم عن العثو في الأرض بالفساد، وقد كانوا يقطعون الطريق. قوله: ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ قال ابن عباس: رزق الله خَيْر لكم. وقال الحسن: روق الله خير لكم من بخسكم الناس وقال الربيع: وصية الله خير لكم. وقال مجاهد: طاعة الله. وقال قتادة: حظُّكم من الله خير لكم. وقال ابن جرير: ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ أي: ما يَفْضُل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ أي: مِن أخذ أموال الناس. قلت: ويُشبه قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة:100].

قوله: ﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك لله عز وجل، لا تفعلوه ليراكم الناس، بل لله عز وجل.

الآية (87): يقولون له على سبيل التهكُّم: ﴿ أَصَلَاتُكَ قال الأعمش: أي: قراءتك ﴿ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أي: الأوثان والأصنام، ﴿ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ، فنترك التطفيف على قولك؛ هي أموالنا نفعل فيها ما نريد. قال الحسن: إيْ والله؛ إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم. وقال الثوري في قوله: ﴿ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ : يعنون الزكاة. وقولهم: ﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قال ابن عباس وابن جرير وغيرهما: يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء، قبحهم الله ولعنهم عن رحمته، وقد فَعَلْ.

الآية (88): يقول لهم: أرأيتم يا قوم ﴿ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي: على بصيرة فيما أدعو إليه، ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا قيل: أراد النبوة. وقيل: أراد الرزق الحلال. ويحتمل الأمرين. وقال الثوري: قوله: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ أي: لا أنهاكم عن شيء وأخالف أنا في السر فأفعله خُفيةً عنكم؛ كما قال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمرٍ وأركَبَه. ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ أي: فيما آمركم وأنهاكم، إنما مُرادي إصلاحكم جهدي وطاقتي، ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي أي: في إصابة الحق فيما أريده ﴿ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في جميع أموري ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي: أرجع. روى الإمام أحمد عن أبي حميد وأبي أسيد يقولان: قال رسول الله : «إذا سمعتم الحديث عنِّي تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب؛ فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عنِّي تُنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد؛ فأنا أَبعدكم منه» وهذا إسناد صحيح. ومعناه: مهما بلغكم عنِّي من خير فأنا أولاكم به، ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ .