حجم الخط:

الآيات (82-90)

الآية (82-83): ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. عن ابن مسعود قال: لَـمَّا نزلت هذه الآية: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ شَقَّ ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، فأيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ [لقمان:13] إنما هو الشرك» [متفق عليه].

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ أي: وجَّهنا حجته على قومه. قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81] وقد صدقه الله، وحكم له بالأمن والهداية، فقال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ، ثم قال بعد ذلك كله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ . قُرئ بالإضافة[1] وبلا إضافة، كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى. وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في أفعاله وأقواله ﴿ عَلِيمٌ بمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليه الحُجَج والبراهين.

الآية (84-90): يخبر تعالى أنه وهَب لإبراهيم إسحاق، بعد أن طَعَن في السن، وأَيِسَ هو وامرأته «سارة» من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشَّروهما بإسحاق، فتعجَّبَت المرأة من ذلك، وبشَّروه مع وجوده بنبوّته، وبأن له نسلًا وعَقِبًا، كما قال: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:112]، وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: ﴿ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقرّ أعينكما به كما قرَّت بوالده؛ فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، وكان هذا مُجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم، ونَزَح عنهم وهاجرَ من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فعوَّضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقرَّ بهم عينه؛ كما قال: ﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [مريم:49]، وقال ههنا: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا . وقوله: ﴿ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ أي: من قبله، هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة: أما نوح عليه السلام فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به -وهم الذين صحبوه في السفينة- جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وكذلك الخليل إبراهيم عليه السلام لم يبعث الله عز وجل بعده نبيًّا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد:26]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ أي: وهدينا من ذريته ﴿ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ الآية، وعَود الضمير إلى «نوح» لأنه أقرب المذكورين ظاهر. وهو اختيار ابن جرير. ولا إشكال عليه. وعوده إلى «إبراهيم»؛ لأنه الذي سبق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل على ذلك «لوط»؛ فإنه ليس من ذرية «إبراهيم»، بل هو ابن أخيه. اللهم إلا أن يقال: إنه دخل في الذرية تغليبًا، كما في قوله تعالى: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة:133]، فإسماعيل عمه، ودخل في آبائه تغليبًا. وفي ذكر «عيسى» عليه السلام في ذرية «إبراهيم» -أو «نوح» على القول الآخر- دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجال؛ لأن «عيسى» عليه السلام إنما يُنسب إلى «إبراهيم» عليه السلام بأمه «مريم» عليها السلام؛ فإنه لا أب له لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله قال للحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فسماه ابنًا، فدل على دخوله في الأبناء.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ذكر أصولهم وفروعهم وذوي طبقتهم، وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

ثم قال: ﴿ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم، ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لـمُلَابسته، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع؛ كقوله: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81].

وقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ أي: أنعمنا عليهم بذلك رحمةً للعباد بهم، ولُطفًا منا بالخليقة، ﴿ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا أي: بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب، والحكم، والنبوة. وقوله: ﴿ هَٰؤُلَاءِ يعني: أهل مكة. قاله ابن عباس، وسعيد بن المُسَيَّب، والضحاك، وقتادة، والسُّدِّي. ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أي: إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، وَمِلِّيِينَ وكتابيين، ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا آخرِين؛ يعني: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة ﴿ لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أي: لا يجحدون منها شيئًا، ولا يردون منها حرفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها، جعلَنا الله منهم بمنّه وكرمه وإحسانه.

ثم قال تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدا : ﴿ أُولَٰئِكَ يعني: الأنبياء المذكورين مع من أُضيفَ إليهم من الآباء والذرية والإخوان، وهم الأشباه ﴿ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ أي: هم أهل الهداية لا غيرهم، ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ أي: اقتدِ واتَّبِع. وإذا كان هذا أمرًا للرسول ، فأُمّته تبعٌ له فيما يشرعه ويأمرهم به. ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن ﴿ أَجْرًا أي: أُجرة، ولا أريد منكم شيئًا، ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ أي: يتذكرون به فَيُرْشَدُوا من العمى إلى الهدى، ومن الغَيّ إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.