حجم الخط:

الآيات (82-90)

الآية (82): ﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ أي: في الماء يستخرجون اللآلئ وغير ذلك. ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ أي: غير ذلك. وقوله: ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [1] أي: يَحرُسه الله أن يَنَاله أحد من الشياطين بسُوء، بل كلٌّ في قبضته وتحت قَهْره لا يَتَجَاسَر أحدٌ منهم على الدُّنُوِّ إليه والقُرْب منه، بل هو مُحَكَّم فيهم، إن شاء أَطْلَق، وإن شاء حَبَسَ منهم من يشاء؛ ولهذا قال: ﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ص:38].

الآية (83-84): يذكر تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجَسَدِه؛ وذلك أنه كان له من الدَّوَاب والأنعام والـحَرْث شيء كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مَرْضيَّة. فَابْتُلِيَ في ذلك كله، وذَهَب عن آخره، ثم ابْتُلِيَ في جسده -يُقَال- بالجذام في سائر بدنه، ولم يبقَ منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله عز وجل ، حتى عَافَه الجليس، وأُفْرِدَ في ناحية من البلد، ولم يَبْقَ من الناس أحد يَحْنُوْ عليه سوى زوجته؛ كانت تَقوم بأَمْرِه، ويُقَال: إنها احتاجت فصارت تَخدُم الناس من أجله، وقد قال النبي : «أَشَدُّ الناس بَلَاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني]، وفي الحديث الآخر: «يُبْتَلَى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيْدَ في بلائه» [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني]. وقد كان نبي الله أيوب عليه السلام غايةً في الصبر، وبه يُضرَب المثل في ذلك.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ عن ابن عباس أنه قال: رُدُّوا عليه بأَعيَانِهم. ورُوي مثله عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقتادة. ﴿ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا أي: فعلنا به ذلك رحمةً من الله به.

﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ أي: وجعلناه في ذلك قدوةً، لئلا يَظُنَّ أهل البلاء أنَّما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسَّوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك.

الآية (85-86): إسماعيل عليه السلام تقدَّم ذِكْره، وكذلك إدريس عليه السلام. وأما ذو الكِفْل فالظاهر من السياق أنه ما قُرِنَ مع الأنبياء إلا وهو نبيٌّ. وقال آخرون: إنما كان رجلًا صالحًا، وكان مَلِكًا عادلًا، وحَكَمًا مُقسِطًا، وتوقَّف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم.

عن مجاهد قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي: ذا الكفل.

الآية (87-88): يونس بن مَتَّى عليه السلام بَعَثَه الله إلى أهل قرية «نِينَوى»، وهي قرية من أرض الـمَوْصِلِ، فدَعَاهم إلى الله، فأَبَوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخَرَجَ من بين أظهرهم مُغَاضِبًا لهم، ووَعَدَهم بالعذاب بعد ثلاث. فلمَّا تحققوا منه ذلك، وعَلِموا أن النبي لا يَكذِب، خَرَجُوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفَرَّقُوا بين الأمهات وأولادها، ثم تَضَرَّعوا إلى الله عز وجل ، وجَأَرُوا إليه، ورَغَتْ الإبل وَفُصْلَانُهَا، وخَارَت البَقَر وأَولَادها، وثَغَتْ الغَنَم وحُمْلانها، فرَفَعَ الله عنهم العذاب؛ قال الله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [يونس:98]. وأما يونس عليه السلام فإنه ذَهَبَ فرَكِبَ مع قوم في سفينة فَلَجَّجَت بهم، وخافوا أن يَغرَقُوا. فاقْتَرعُوا على رجل يُلقُونَه من بينهم يَتَخَفَّفون منه، فوَقَعَت الْقُرْعَة على يونس، فأبوا أن يُلْقُوه، ثم أعادوا الْقُرْعَة فوَقَعَت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها فوَقَعَت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141]، أي: وَقَعَت عليه الْقُرْعَة، فقام يونس عليه السلام وتَجَرَّد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أَرسَلَ الله، سبحانه حُوتًا فالتقم يونس حين أَلقَى نفسه من السفينة، فأَوحَى الله إلى ذلك الحوت ألَّا تأكل له لحمًا، ولا تَهشِمَ له عَظمًا؛ فإن يونس ليس لك رِزْقًا، وإنما بَطْنُكَ تكون له سِجْنًا.

وقوله: ﴿ وَذَا النُّونِ يعني: الحوت، صحَّت الإضافة إليه بهذه النسبة، ﴿ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا قال الضحاك: لقومه، ﴿ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي: نُضَيِّقَ عليه في بطن الحوت. يُروَى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير، واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:7]. وقال عطية العَوفي: نَقْضِيَ عليه؛ كأنه جَعَل ذلك بمعنى التقدير؛ فإن العرب تقول: قدَر وقَدَّر بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12]، أي: قُدِّر. ﴿ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ قال ابن مسعود: ظُلمَة بطن الحوت، وظُلمَة البحر، وظُلمَة الليل. وكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جُبَير والحسن وقتادة. ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ أي: أَخرَجْناه من بَطْن الحوت، وتلك الظلمات، ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ أي: إذا كانوا في الشدائد ودَعَونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء؛ فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء قال: «دعوةُ ذي النون، إذ هو في بطن الحوت: ﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فإنه لم يَدْعُ بها مسلم ربَّه في شيء قَطُّ إلا استجاب له» [رواه أحمد والترمذي والنسائي في الكبرى، وصحح إسناده أحمد شاكر].

الآية (89-90): يخبر تعالى عن عبده زكريا، حين طلب أن يَهبَهُ الله ولدًا يكون من بعده نبيًّا: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أي: خُفيةً عن قومه: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا أي: لا وَلَدَ لي ولا وَارِثَ يقوم بعدي في الناس، ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ دعاءٌ وثناءٌ مناسب للمسألة.

قال الله تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ أي: امرأته. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبَير: كانت عاقرًا لا تَلِدُ، فوَلَدَت.

وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ أي: في عَمَل القُرُبات وفعل الطاعات، ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا قال الثوري: ﴿ رَغَبًا فيما عندنا، ﴿ وَرَهَبًا ممَّا عندنا، ﴿ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ قال ابن عباس: أي مُصَدِّقين بما أَنزَلَ الله. وقال مجاهد: مؤمنين حقًّا. وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سِنَان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، لا يُفارِقه أبدًا. وقال الحسن وقتادة والضحاك: ﴿ خَاشِعِينَ أي: مُتَذَلِّلين لله عز وجل. وكل هذه الأقوال متقاربة.