حجم الخط:

الآيات (84-88)

الآية (84-86): يقول الله مُنكِرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله بالمدينة، وما كانوا يُعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك: أن الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروبٌ كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاثَ قبائل: بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نَشِبَتْ بينهم قاتَلَ كل فريق مع حلفائه، فيقتلُ اليهوديُّ أعداءَه، وقد يقتلُ اليهوديَّ الآخرَ من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابه. ويُخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها اسْتَفَكُّوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحُكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أي: لا يَقتل بعضُكم بعضًا، ولا يُخرِجه من منزله، ولا يُظاهر عليه، وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة. ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به.

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ والذي أرشدت إليه الآية الكريمة: ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم لها بالصحة، فلهذا لا يُؤْتَـمَنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يُصدَّقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله ونَعتِهِ، ومَبْعَثِه ومَخرَجِه، ومُهاجَره، وغير ذلك من شؤونه، التي قد أَخبَرت بها الأنبياء قبله، واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ جزاءً على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٨٥ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ أي: استحبُّوها على الآخرة واختاروها، ﴿ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ أي: لا يُفَتَّر عنهم ساعةً واحدةً ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ أي: وليس لهم ناصر يُنقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يُجيرهم منه.

الآية (87): ينعَت تبارك وتعالى بني إسرائيل بالعتوِّ والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتّبعون أهواءهم، فذَكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب -وهو التوراة- فحرّفوها وبدّلوها، وخالفوا أوامرها وأوَّلوها. وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ الآية [المائدة:44]، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ قال السُّدي: أَتْبَعْنَا. وقال غيره: أَرْدَفْنا. والكل قريب؛ كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ [المؤمنون:44] حتى خَتَمَ أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات -وهي المعجزات- ما يدلُّـهم على صِدْقه فيما جاءهم به. فاشتدَّ تكذيب بني إسرائيل له وحَسَدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض.

فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء عليهم السلام أسوأَ المعاملة، ففريقًا يكذِّبونه، وفريقًا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرَّفوا في مخالفتها، ولهذا كان يشقّ ذلك عليهم، فيكذِّبونهم، وربما قَتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ .

قوله تعالى: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ روح القدس هو جبريل، كما نصّ عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك ابن عباس مع قوله تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء:193-194].

الآية (88): عن ابن عباس: ﴿ غُلْفٌ أي: في أَكِنَّةٍ. وقال السُّدي: يقولون: عليها غِلاف، وهو الغِطاء. وعن ابن أسلم، في قوله: ﴿ غُلْفٌ قال: يقول: قلبي في غِلاف فلا يَخْلُص إليه ما تقول، وقرأ: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت:5]. وهذا هو الذي رجَّحه ابن جرير، واستشهد [بحديث]: «القلوب أربعة. فذكر منها: وقلب أَغْلَفُ مَغْضُوبٌ عليه، وذاك قلب الكافر» [رواه ابن جرير مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري، وقال ابن كثير: إسناده جيد حسن].

وعن ابن عباس قال: يقولون: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ : مملوءة، لا نحتاج إلى علم محمد ولا غيره. ولهذا قال تعالى: ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ، أي: ليس الأمر كما ادّعوا، بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال: ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155].

﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ قال بعضهم: فقليل من يُؤمن منهم. وقيل: فقليل إيمانُهم. بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم؛ لأنه مغمورٌ بما كفروا به مِن الذي جاءهم به محمد .