الآية (84-86): هذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ الآية [آل عمران:199]، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ ﴾ الآيات [القصص:52-55]. ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا ﴾ أي: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون. ﴿ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان، وأين كان، ومع من كان.
ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ أي: جحدوا بها وخالفوها ﴿ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ أي: هم أهلها والداخلون إليها.
الآية (87-88): عن أنس أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ يُحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف.
ويحتمل أن يكون المراد: كما لا تُحرِّموا الحلال، فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خُذُوا منه بقَدْر كفايتكم وحاجتكم، ولا تُجاوِزوا الحدَّ فيه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [آل عمران:31].
فشَرْعُ الله عدلٌ بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط؛ ولهذا قال: ﴿ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾. ثم قال: ﴿ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ أي: في حال كونه حلالًا طيبًا، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته وعصيانه ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾.
الآية (89): تقدَّم في سورة البقرة الكلام على لغو اليمين، وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله، بلى والله. وقيل: هو في الهَزْل. وقيل: في المعصية. وقيل: على غلبة الظن. وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب. وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله: ﴿ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 87]. والصحيح أنه اليمين من غير قصد؛ بدليل قوله: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ أي: بما صمَّمتم عليه من الأيمان وقصدتموها، ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ يعني: محاويج من الفقراء، ومن لا يجد ما يكفيه. وقوله: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة: أي مِن أعدَل ما تطعمون أهليكم. وعن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت بعض أهله قوتَ دونٍ، وبعضهم قوتًا فيه سعَة، فقال الله تعالى: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ من الخبز والزيت. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ أي: في القلة والكثرة.
وقوله: ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ قال الشافعي: لو دَفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدُق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقْنَعَة أجزأه ذلك، وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلى فيه، إن كان رجلًا أو امرأة، كلٌّ بحسبه. والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها، فقال: تُجزئ الكافرة كما تُجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة، وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل؛ لاتحاد الموجِب وإن اختلف السبب، ولحديث معاوية بن الحكم السُّلَمي: أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، وجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول الله ﷺ: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» [رواه مسلم]. فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين، أيُّها فَعَلَ الحانثُ أجزأ عنه بالإجماع. وقد بدأ بالأسهل فالأسهل؛ فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى. فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث، كفّر بصيام ثلاثة أيام؛ كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ واختلف العلماء: هل يجب فيها التتابع؟ أو يُستحَب ولا يجب ويجزئ التفريق؟ على قولين: أحدهما: لا يجب، وهذا منصوص الشافعي في كتاب «الأيمان»، وهو قول مالك؛ لإطلاق قوله: ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرّقة، كما في قضاء رمضان؛ لقوله: ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة:184]. ونص الشافعي في موضع آخر في «الأم» على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة.
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ أي: هذه كفارة اليمين الشرعية ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾ قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ أي: يوضحها ويفسرها ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾.
الآية (90): يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر؛ وهو القمار. عن ابن عباس قال: الميسر هو القمار؛ كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة. وقال ابن المسيب: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين. وقال الأعرج: الْـمَيْسِر الضرب بالقداح على الأموال والثمار. وقال القاسم: كل ما ألهَى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو من الْـمَيْسِر. وأما الأنصاب فقال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وأما الأزلام فقالوا أيضًا: هي قداح كانوا يستقسمون بها. قوله: ﴿ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ قال ابن عباس: أي سَخَط من عمل الشيطان. وقال سعيد بن جبير: إثم. وقال زيد بن أسلم: أي شرٌّ من عمل الشيطان. ﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ الضمير عائد على الرجس، أي اتركوه ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ وهذا ترغيب.