حجم الخط:

الآيات (84-91)

الآية (84-85): ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا يعني: القرآن ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أي: من الصُّحف والوحي، ﴿ وَالْأَسْبَاطِ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - هو يعقوب - الاثني عشر. ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ يعني بذلك: التوراة والإنجيل، ﴿ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ، وهذا يَعُمُّ جميعَ الأنبياء جملةً، ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يعني: بل نؤمن بجميعهم، ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ : فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أُرسل، وبكل كتاب أُنْزِل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم مُصَدِّقون بما أُنزل من عند الله، وبكلِّ نبيٍّ بَعَثه الله. ثم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ أي: من سَلَك طريقًا سوى ما شَرَعَه الله فلن يُقْبل منه ﴿ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، كما قال النبي في الحديث الصحيح: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [رواه مسلم]. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : «تَجِيءُ الأعمال يوم القيامة، فتَجِيءُ الصلاة فتقول: يا ربِّ، أنا الصلاة. فيقول: إنك على خير. فتَجِيءُ الصدقة فتقول: يا ربِّ، أنا الصدقة. فيقول: إنكِ على خير. ثم يَجِيءُ الصيام فيقول: أي يا ربِّ، أنا الصيام. فيقول: إنكَ على خير. ثم تَجِيءُ الأعمال، كل ذلك يقول الله تعالى: إنك على خير، ثم يَجِيءُ الإسلام فيقول: يا رب، أنتَ السلام وأنا الإسلام. فيقول الله: إنكَ على خير، بكَ اليوم آخُذُ وبك أُعْطِي، قال الله في كتابه: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ » [رواه أحمد، وصححه أحمد شاكر].

الآية (86-89): [سبب النزول] عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلَم ثمَّ ارتدَّ ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أن سَلُوا لي رسول الله : هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، فأرسل إليه قومُه فأسلم. [رواه أحمد والنسائي، وصححه أحمد شاكر]. فقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ أي: قامتْ عليهم الحُجَجُ والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسولُ، وَوَضَح لهم الأمرُ، ثم ارتدوا إلى ظُلْمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تَلَبَّسُوا به من العماية؟! ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . ثم قال: ﴿ أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي: يلعنهم الله ويلعنهم خلقه ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أي: في اللعنة ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ أي: لا يُفتَّر عنهم العذاب، ولا يُخَفَّف عنهم ساعة واحدة. ثم قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وهذا من لُطْفِهِ وَبِرِّهِ وَرَأْفَتِهِ ورحمته وعائدَتِه على خلقه: أنه من تاب إليه تاب عليه.

الآية (90): يقول تعالى متوعِّدًا ومتهدِّدًا لمن كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفرًا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومُخبِرًا بأنه لن تُقبل لهم توبة عند مماتهم، كما قال: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء:18]. ولهذا قال ههنا: ﴿ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ أي: الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغَيِّ.

[سبب النزول] روى البزار عن ابن عباس؛ أن قومًا أسلموا ثم ارتدّوا، ثم أسلموا ثم ارتدّوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ، فنزلت هذه الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وإسناده جيد.

الآية (91): ثم قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أي: من مات على الكفر فلن يُقبل منه خير أبدًا، ولو كان قد أَنفَق ملء الأرض ذهبًا فيما يراه قُرْبَةً، كما سُئل النبي عن عبد الله بن جُدْعان -وكان يُقْرِي الضيفَ، ويَفُكُّ العاني، ويُطعم الطعام-: هل ينفعه ذلك؟ فقال: «لا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ» [رواه مسلم].

وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضًا ذهبًا ما قُبِل منه، كما قال: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:123]، وقال تعالى: ﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ [إبراهيم:31]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:36]؛ ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ فعَطَف ﴿ وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ على الأول، فدَلَّ على أنه غيره.

ويَقتضي ذلك ألا ينقذه من عذاب الله شيء، ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبًا، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبًا، بوَزْن جِبالها وتِلالها وتُرابها ورِمَالها وسَهْلها ووعْرِها وبَرِّها وبَحْرِها. وعن أنس بن مالك عن النبي قال: «يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الأرْضِ مِنْ شَيْءٍ، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ. قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ أبيك آدَمَ ألا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلا أَنْ تُشْرِكَ بي». [متفق عليه]. ولهذا قال: ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ أي: وما لهم من أحد يُنْقِذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه.