حجم الخط:

الآيات (85-88)

الآية (85-88): يقول تعالى آمرًا رسولَه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبرًا له بأنه سيَرُدُّهُ إلى معاد، وهو يوم القيامة، فيَسْأله عمَّا استرعاه من أعباء النبوة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أي: افترض عليك أداءه إلى الناس ﴿ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ أي: إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك.

وقال ابن عباس: لَرَادُّكَ إلى الـجَنَّة، ثم سَائِلُك عن القرآن. وقال: إلى يوم القيامة. وقال: إلى الموت.

ولهذا طُرُقٌ عن ابن عباس، وفي بعضها: لرَادُّكَ إلى مَعْدِنِك من الجنة. وقال مجاهد: يُحْيِيك يوم القيامة. وكذا رُوِيَ عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير، وقال الحسن البصري: إي والله! إن له لَـمَعَادًا، فيَبْعَثُه الله يوم القيامة ثم يُدخله الجنة.

وقد رُوي عن ابن عباس غير ذلك، كما روى البخاري عن ابن عباس: ﴿ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قال: إلى مكة. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فَسَّرَ ذلك تارةً برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أَمَارَة على اقتراب أَجَلِه ، كما فَسَّرَه ابن عباس بسورة ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ أنه أجَلُ رسول الله نُعِيَ إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك، وقال: لا أعلم منها غير الذي تَعْلَمُ. ولهذا فَسَّرَ ابن عباس تارةً أخرى قوله: ﴿ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ بالموت، وتارةً بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارةً بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الجن والإنس، ولأنه أَكْمَل خلق الله، وأَفْصَحُ خلق الله، وأشرف خلق الله على الإطلاق.

وقوله: ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي: قل لِـمَنْ خَالفَك وكَذَّبَك يا محمد من قومك من المشركين ومن تَبِعَهم على كُفْرِهم: ﴿ رَبِّي أَعْلَمُ بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.

ثم قال تعالى مذكرًا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ أي: ما كُنْتَ تَظُنُّ قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي يَنْزِلُ عليك.

﴿ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي: إنَّما نَزَل الوَحْي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا مَنَحَكَ بهذه النعمة العظيمة ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا أي: مُعِينًا ﴿ لِلْكَافِرِينَ ، ولكن فارقهم ونابِذهم وخالفهم. ﴿ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك وصَدِّهم الناس عن طريقك، لا [تَلْو] على ذلك ولا تُبَالِهِ؛ فإن الله مُعْلٍ كلمتَك، ومؤيدٌ دينَك، ومظهرٌ ما أُرْسِلْتَ به على سائر الأديان؛ ولهذا قال: ﴿ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .

وقوله: ﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ أي: لا تَلِيقُ العبادة إلا له ولا تَنْبَغِي الإلهية إلا لعظمته.

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ إخبار بأنه الدَّائِم الباقي الحيُّ القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، فعَبَّرَ بالوجه عن الذات، قوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي: إلا إياه. وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي: إلا ما أُرِيد به وجهه، وهذا القول لا يُنَافي القول الأول؛ فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أُرِيدَ بها وَجْهُ الله عز وجل من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأوَّل مقتضاه أن كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى؛ فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. وقوله: ﴿ لَهُ الْحُكْمُ أي: الـمُلْكُ والتَّصَرف، ولا مُعَقِّب لحُكمه. ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي: يوم معادكم، فيَجْزِيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.