حجم الخط:

الآيات (88-95)

الآية (88-89): ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا هذا إخبار من الله تعالى عمَّا واجهَت به الكفار نَبيَّه شعيبًا ومن معه من المؤمنين في توعُّدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية، أو الإكراه على الرجوع في مِلَّتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول، والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة.

وقوله: ﴿ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴿٨٨ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا يقول: أَوَأنتم فاعلو ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه؟! فإنَّا إنْ رجَعنا إلى ملَّتِكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أَعْظَمْنا الفِرْية على الله في جَعْل الشركاء معه أندادًا. وهذا تنفير منه عن اتباعهم.

﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا وهذا ردٌّ إلى الـمُسَبِّبِ؛ فإنه يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علمًا. ﴿ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا أي: في أمورنا؛ ما نأتي منها وما نَذَر.

﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ أي: افصِل بيننا وبين قومنا، وانصرنا عليهم، ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ أي: خير الحاكمين؛ فإنك العادل الذي لا تجور أبدًا.

الآية (90-92): يُخبِر تعالى عن شِدَّة كُفر قوم شعيب وتمرُّدهم وعُتُوِّهم، وما هم فيه من الضلال، وما جُبِلَت عليه قلوبهم من المخالفة للحقِّ، ولهذا أقْسَموا فقالوا: ﴿ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ، فلهذا عَقَّب ذلك بقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ أخبر تعالى ههنا أنهم أخذتهم الرجفة؛ وذلك لَـمَّا أرجفوا شعيبًا وأصحابه وتوعَّدُوهم بالجلاء. كما أخبر عنهم في سورة «هود» فقال: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود:94]. والمناسبة في ذلك -والله أعلم- أنهم لَـمَّا تهكَّمُوا بنبي الله شعيب في قولهم: ﴿ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87] جاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:189]، وما ذاك إلا لأنهم قالوا له: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187]، فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظُّلَّة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله: أصابهم عذاب يوم الظُّلَّة -وهي سحابة أَظَلَّتْهُم فيها شرر من نار ولَـهَب ووَهَج عظيم- ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجَّة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فَزَهَقَت الأرواح، وفاضت النفوس، وخَمَدَت الأجساد ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ .

ثم قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي: كأنهم لَـمَّا أصابتهم النِّقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها. ثم قال مقابلًا لقِيلِهم: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ .

الآية (93): أي: فتولَّى عنهم «شعيب» عليه السلام بعد ما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مُقرِّعًا لهم ومُوَبِّخًا: ﴿ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ أي: قد أدّيتُ إليكم ما أُرْسِلْت به، فلا آسف عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به، فلهذا قال: ﴿ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ .

الآية (94-95): يقول تعالى مُخبِرًا عمَّا اختبر به الأمم الماضية، الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء، يعني بالبأساء: ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء: ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي: يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم. وتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرَّعوا، فما فعلوا شيئًا من الذي أراد الله منهم، فقَلَب الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ أي: حوَّلنا الحال من شدَّة إلى رخاء، ومن مرض وسَقَمٍ إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى؛ ليشكروا على ذلك، فما فعلوا.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ عَفَوْا أي: كَثُروا وكَثُرَتْ أموالهم وأولادهم؛ يقال: عفا الشيء: إذا كَثُر، ﴿ وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يقول تعالى: ابتلاهم بهذا وهذا ليتضرَّعوا ويُنيبوا إلى الله، فما نَجَع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مَسَّنا من البأساء والضَّرَاء، ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، ولم يتفطَّنوا لأمر الله فيهم، ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين. وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السرَّاء، ويصبرون على الضرَّاء؛ كما ثبت في الصحيح: «عجبًا للمؤمن! لا يَقضي الله له قضاءً إلا كان خيرًا له؛ إن أصابته ضَرَّاء صَبَر فكان خيرًا له، وإن أصابته سرَّاء شَكَر فكان خيرًا له» [رواه مسلم].

فالمؤمن مَن يَتفَطَّنُ لِـمَا ابتلاه الله به من الضرَّاء والسرَّاء.

ولهذا عَقَّب هذه الصفة بقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ أي: أخذناهم بالعقوبة ﴿ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أي: على بغتةٍ منهم، وعدم شعور منهم؛ أي: أخذناهم فجأة.