حجم الخط:

الآيات (88-96)

الآية (88): نبّه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم، فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا؛ فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق، الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له؟!

الآية (89): قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ الآية؛ أي: بيّنا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضَّحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا ﴿ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا أي: جحودًا وردًّا للصواب.

الآية (90-93): عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، اجتمعوا...فقالوا: يا محمد، لقد شتمت الآباء، وعِبتَ الدين، وسَفَّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك! فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًا تراه قد غلب عليك وكانوا يُسمّون التابع من الجن الرئي- فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نُبَرِّئَكَ منه، أو نُعذَر فيك. فقال رسول الله : «ما بي ما تقولون، ولكن بعثني الله إليكم رسولًا، وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليَّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم»... قالوا: فأسقط السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك؛ فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول الله : «ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك»... فلما قالوا ذلك قام رسول الله عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية...فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله، فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجّل لهم ما تخوّفهم به من العذاب، فوالله لا أومن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سُلّمًا، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. وايم الله، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. [رواه ابن جرير].

قوله: ﴿ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يُجري لهم عيونًا معينًا في أرض الحجاز ههنا وههنا، وذلك سهل يسير على الله تعالى، لو شاء لفعله ولأجابهم إلى جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:96-97].

وقوله تعالى: ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ أي: أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشَقُّ فيه السماء وتَهِي[1]، وتدلَّى أطرافُها، فعجِّل ذلك في الدنيا، وأسقِطها كِسَفًا؛ أي: قِطعًا؛ كقولهم: ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ الآية [الأنفال:32]، وكذلك سأل قوم شعيب منه؛ فقالوا: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187]. فعاقبهم الرب بعذاب يوم الظلة، ﱡﭐ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:189]. وأما نبيّ الرحمة، ونبيّ التوبة المبعوث رحمة للعالمين، فسأل إنظارهم وتأجيلهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا. وكذلك وقع؛ فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى «عبد الله بن أبي أمية» الذي تبع النبي وقال له ما قال، أسلم إسلامًا تامًّا، وأناب إلى الله عز وجل. قوله: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ قال ابن عباس: هو الذهب. ﴿ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ أي: تصعد في سُلَّم ونحن ننظر إليك ﴿ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قال مجاهد: أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة: هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، تصبح موضوعة عند رأسه.

قوله: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا أي: سبحانه وتعالى وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمرُكم فيما سألتم إلى الله عز وجل.

الآية (94-95): يقول تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أي: أكثرهم ﴿ أَنْ يُؤْمِنُوا ويتابعوا الرسل، إلا استعجابهم من البشر رسلًا؛ كما قال تعالى: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [يونس:2]. وقال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا [التغابن:6]، ثم قال تعالى منبهًا على لطفه ورحمته بعباده أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمَكُّنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بَعَثَ إلى البشر رسولًا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران:164]، ولهذا قال ههنا: ﴿ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ أي: كما أنتم فيها ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا أي: من جنسهم، ولمـَّا كنتم أنتم بشرًا، بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفًا ورحمة.

الآية (96): يقول تعالى مرشدًا نبيه إلى الحجة على قومه، في صدق ما جاءهم به: إنه شاهد عليّ وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبًا عليه انتقم مني أشد الانتقام؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴿٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴿٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:44-46]. قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا أي: عليم بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة.