الآية (89): ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾ قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون ﴿ فَاسْتَقِيمَا ﴾ فامضيا لأمري، وهي الاستقامة.
الآية (90-92): يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده؛ فإن بني إسرائيل لَـمَّا خرجوا من مصر صحبة موسى عليه السلام وهم -فيما قيل- ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية، وقد كانوا استعاروا من القِبْط حُلِيًّا كثيرًا، فخرجوا به معهم، فاشتدَّ حَنَق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فرَكِب وراءهم في أُبَّهة عظيمة، وجيوش هائلة لِـمَا يريده الله تعالى بهم، ولم يتخَلَّف عنه أحد ممَّن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ [الشعراء:61]، وذلك أنهم لَـمَّا انتهوا إلى ساحل البحر، وأدركهم فرعون، ولم يبقَ إلا أن يتقاتل الجمعان، وأَلَحَّ أصحاب موسى عليه السلام عليه في السؤال كيف الـمَخْلَصُ ممَّا نحن فيه؟ فيقول: إني أمرت أن أَسْلُكَ ههنا ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء:62]، فعندما ضاق الأمر اتَّسَع، فأمَره الله تعالى أن يَضرب البحر بعصاه، فضَرَبه فانفَلَق البحر، ﴿ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ [الشعراء:63] أي: كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقًا، لكل سبط واحد. وأمر الله الريح فنَشَّفت أرضه ﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ ﴾ [طه:77]، وجازت بنو إسرائيل البحر، فلمَّا خَرَج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافَّته من الناحية الأخرى، أَمَر اللهُ القدير البحرَ أن يَرْتَطِمَ عليهم، فلم يَنْجُ منهم أحد، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت، فقال وهو كذلك: ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ فآمن حيث لا ينفعه الإيمان، ﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿٨٤﴾ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر:84-85].
وهكذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ أي: أهذا الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه؟! ﴿ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: في الأرض، الذين أضلوا الناس؛ ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [القصص:41]. وهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله ذاك من أسرار الغيب التي أَعْلَمَ الله بها رسوله؛ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما قال فرعون: ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾ قال: قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني وقد أخذت حالا من حال البحر، فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة» [رواه أحمد والترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر].
وقوله: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شَكُّوا في موت فرعون، فأَمَر الله تعالى البحر أن يُلقِيه بجسده بلا روح، وعليه درعه المعروفة به، على نَجوَة من الأرض وهو المكان المرتفع، ليَتَحَقَّقوا موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ﴾ أي: نرفعك على نَشَز من الأرض، ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ قال مجاهد: بجسدك. وقال الحسن: بجسم لا روح فيه. وقال عبد الله بن شداد: سويًّا صحيحًا، أي: لم يتمَزَّق ليتحقَّقوه ويعرفوه. وكل هذه الأقوال لا مُنافَاة بينها، كما تقدَّم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ أي: لتكون لبني إسرائيل دليلًا على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابَّة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء، ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ أي: لا يتَّعِظُون بها، ولا يعتبرون. وقد كان إهلاك فرعون وملئه يوم عاشوراء؛ كما روي عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينَة، واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي ﷺ لأصحابه: «أنتم أحقُّ بموسى منهم، فصوموه» [متفق عليه].
الآية (93): يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية، وقوله: ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ قيل: هو بلاد مصر والشام، مما يلي بيت المقدس ونواحيه؛ فإن الله تعالى لَـمَّا أهلك فرعون وجنوده استقرَّت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ [الأعراف: 137] وقال: ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٥٧﴾ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٥٨﴾ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [الشعراء: 57 - 59]، ولكن استمروا مع موسى عليه السلام طالبين إلى بلاد بيت المقدس، وكان فيه قوم من العمالقة، فَنَكَل بنو إسرائيل عن قتال العمالقة، فشرَّدَهم الله تعالى في التِّيْه أربعين سنةً.
وقوله: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ أي: الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعًا وشرعًا، ﴿ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ﴾ أي: ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد بيَّن الله لهم وأزال عنهم اللَّبس. وقد وَرَد في الحديث: أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». رواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ، وهو في السنن والمسانيد [وصححه الألباني]. ولهذا قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يَفصِل بينهم ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾.
الآية (94-97): هذا فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم أن صفة نبيهم ﷺ موجودة في الكتب المتقدِّمة التي بأيدي أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴾ الآية [الأعراف:157]. ثم مع هذا العلم -يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم- يلبسون ذلك ويحرِّفونه ويبدِّلونه، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ أي: لا يؤمنون إيمانًا ينفعهم، بل حين لا ينفع نفسًا إيمانها؛ ولهذا لَـمَّا دعا موسى عليه السلام على فرعون وملئه قال: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس:88].
كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ [الأنعام:111].