الآية (9): إنما سميت الجمعة جُمعة؛ لأنها مشتقة من الجَمع؛ فإنَّ أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مَرَّةً. عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. ثم هذا يَومُهم الذي فَرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تَبَعٌ، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد» [متفق عليه]. وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾، أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في مَسيركم إليها، وليس المراد بالسعي ههنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها؛ كقوله: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ [الإسراء:19]. وكان عمر وابن مسعود يقرآنها: «فامضوا إلى ذكر الله». فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه؛ عن أبي هُرَيرة عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تُسرِعوا، فما أدركتم فصَلُّوا، وما فاتكم فأتموا» [متفق عليه]. قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينةُ والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.
﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ ﴾ المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يُفعل بين يدي رسول الله ﷺ إذا خرج فجلس على المنبر؛ فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه، أما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان ابن عفان، فإنما كان هذا لكثرة الناس. ﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ أي: اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء على تحريم البيع بعد النداء الثاني. واختلفوا: هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟! على قولين، وظاهر الآية عدم الصحة. ﴿ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: تركُكم البيع وإقبالُكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خيرٌ لكم، أي: في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون.
الآية (10): ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ ﴾ أي: فُرغ منها، ﴿ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ لَـمَّا حَجَر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أَذِنَ لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله. ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي: في حال بيعكم وشرائكم، وأخذِكم وعَطَائكم، اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة.
الآية (11): يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ أي: على المنبر تخطب. هكذا ذكره غير واحد من التابعين.
[سبب النزول]: زعم مقاتل بن حيان: أن التجارة كانت لدحية ابن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائمًا على المنبر إلا القليل منهم. عن جابر قال: قَدمَت عيرٌ المدينة، ورسول الله ﷺ يخطب، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلًا، فنزلت: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾ [متفق عليه].
وفي قوله: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائمًا. وعن جابر بن سَمُرَة قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس [رواه مسلم]. ﴿ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي: الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ﴿ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ أي: لمن توكل عليه، وطلب الرزق في وقته.