حجم الخط:

الآيات (91-94)

الآية (91-92): يقول تعالى: وما عظَّموا الله حق تعظيمه، إذ كذّبوا رسله إليهم، قال ابن عباس، ومجاهد: نزلت في قريش. واختاره ابن جرير. ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يا محمد لهؤلاء المنكِرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سَلْبِهم العام بإثبات قضية جزئية مُوجبة: ﴿ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ يعني: التوراة التي قد علمتم -وكل أحد- أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران عليه السلام ﴿ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ أي: ليُستضاء بها في كشف المشكلات، ويُهتدَى بها من ظلم الشبهات.

وقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ أي: يجعلها حَمَلَتُهَا قراطيس، أي: قِطَعًا يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرِّفون فيها ما يحرِّفون ويبدِّلون ويتأوَّلون، ويقولون: هذا من عند الله، أي: في كتابه المنزّل، وما هو من عند الله؛ ولهذا قال: ﴿ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا . وقوله: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ أي: ومن أنزل القرآن الذي علّمكم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك أنتم ولا آباؤكم. قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب. وقال مجاهد: هذه للمسلمين. وقوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ قال ابن عباس: أي: قل: الله أنزله. وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة لا ما قاله بعض المتأخرين من أن معنى ﴿ قُلِ اللَّهُ أي: لا يكون خطاب لهم إلا هذه الكلمة، كلمة: «الله».

وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرًا بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها. ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ أي: ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين فسوف يعلمون: ألَـهُم العاقبة، أم لعباد الله المتقين؟! وقوله: ﴿ وَهَٰذَا كِتَابٌ يعني: القرآن ﴿ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ يعني: مكة ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم من عَرَبٍ وعَجَم؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقال: ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، وقال: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ [هود: 17]، وقال: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وقال: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20].

وثبت أن رسول الله قال: «أعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنّ أحد من الأنبياء قبلي» وذكر منهن: «وكان النبي يُبعث إلى قومه، وبُعثت إلى الناس عامة» [متفق عليه]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي: كل من آمن بالله واليوم الآخر آمن بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن. ﴿ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أي: يقومون بما افترض عليهم، من أداء الصلوات في أوقاتها.

الآية (93-94): أي: لا أحد أظلم ممن كَذَب على الله، فجعل له شريكًا أو ولدًا، أو ادَّعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يكن أرسله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ قال عِكْرِمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب. ﴿ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: ومن ادَّعى أنه يُعارض ما جاء من عند الله من الوحي ممَّا يفتريه من القول، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ أي: في سكراته وغمراته وكُرُباته، ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أي: بالضرب. قال الضحاك، وأبو صالح: ﴿ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أي: بالعذاب. وكما قال: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال:50]؛ ولهذا قال: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أي: بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم؛ ولهذا يقولون لهم: ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ؛ وذلك أن الكافر إذا احتُضر بشَّرَتْه الملائكة بالعذاب والنَّكال، والأغلال والسلاسل، والجحيم والحميم، فتتفرَّق روحه في جسده، وتعصي وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي: اليوم تُهانون غاية الإهانة، كما كنتم تَكذِبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي: يقال لهم يوم معادهم هذا؛ كما قال: ﴿ وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف:48]، أي: كما بدأناكم أعَدْناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث. وقوله: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ أي: من النّعَم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا ﴿ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وثبت أن رسول الله قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» [رواه مسلم].

﴿ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانِّين أن تلك تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثَمَّ معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت الأسباب، وانزاح الضلال، وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب على رءوس الخلائق: ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:74]، ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٩٢ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ [الشعراء:92-93]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ أي: في العبادة، لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم. ثم قال تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ قُرئ بالرفع، أي: شَمْلُكُم، وقُرئ بالنصب، أي: لقد انقطع ما بينكم من الوُصُلات والأسباب والوسائل، ﴿ وَضَلَّ عَنْكُمْ أي: ذَهَب عنكم ﴿ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ من رجاء الأصنام؛ كما قال: ﴿ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ الآية [القصص:64]، وقال: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:22]، والآيات في هذا كثيرة جدًّا.