حجم الخط:

الآيات (92-100)

الآية (92): عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، وكانَ أحبَّ أمواله إليه بيْرَحاءُ -وكانت مُسْتقْبِلةً المسجد، وكان النبي يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيّب- قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحبَّ أموالي إلَيَّ بيْرَحاءُ، وإنها صدقةٌ لله أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله تعالى، فَضَعْها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال النبي : «بَخٍ بخ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِح، وَقَدْ سَمِعْتُ، وَأَنَا أرَى أنْ تجْعَلَهَا فِي الأقْرَبِينَ». فَقَسَمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه [متفق عليه].

الآية (93-95): عن ابن عباس قال: حضرَت عصابةٌ من اليهود نبيَّ الله فقالوا: حدِّثنا عن خِلَالٍ نسألك عنهن لا يَعلمهنّ إلا نبي؟ [فذكر الحديث، وفيه أنهم قالوا]: أَخْبِرْنَا أَيّ الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه؟ [وأن رسول الله قال لهم]: «أَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنزلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَطَالَ سُقْمُهُ، فَنَذَرَ للهِ نَذْرًا، لَئِنْ شَفَاهُ اللهُ مِنْ سُقْمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمان الإبِلِ، وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا؟» فقالوا: اللهم نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ أي: حرَّم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، [فـ]كان حِلًّا لهم جميعُ الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرَّمه إسرائيل، ولهذا السياق بعد ما تقدم مناسبتان: إحداهما: أن إسرائيل عليه السلام حرم أحب الأشياء إليه وتركها لله -وكان هذا سائغًا في شريعتهم- فله مناسبة بعد قوله: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فهذا هو المشروع عندنا؛ وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه؛، كما قال: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ [البقرة:177].

المناسبة الثانية: لما تقدم السياق في الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح وتبين زيف ما ذهبوا إليه شرع في الرد على اليهود، قبحهم الله، وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع؛ فإن الله عز وجل قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا عليه السلام لما خرج من السفينة أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها، فاتبعه بنوه في ذلك، وهذا منصوص عليه في التوراة عندهم، فهذا هو النسخ بعينه. ثم قال: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ؛ فإنها ناطقةٌ بما قلناه. ﴿ فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي: فمن كَذَب على الله وادَّعى أنه شَرَع لهم السبت والتمسُّك بالتوراة دائمًا، وأنه لم يَبْعَث نبِيًّا آخَر يدعو إلى الله بالبراهين والحُجَج بعد هذا الذي بَيَّنَّاه من وقوع النَّسخ وظهور ما ذكرنا ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ أي: قل يا محمد: صَدَق فيما أَخبَر به، وفيما شَرَعه في القرآن ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا أي: اتبعوا ملَّة إبراهيم التي شَرَعَها الله في القرآن على لسان محمد ؛ فإنَّه الحقّ الذي لا شكّ فيه ولا مِرْية، وهي الطريقة التي لم يأتِ نبيٌّ بأكملَ منها، ولا أبْيَنَ، ولا أوضَح ولا أتمَّ، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 161].

الآية (96-97): يُخْبر تعالى أن أول بيت وُضع لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكِهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده ﴿ لَلَّذِي بِبَكَّةَ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل، ونادى الناس إلى حَجِّه؛ ولهذا قال: ﴿ مُبَارَكًا أي وُضع مباركًا، ﴿ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ . وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مَسجِد وُضِع أوَّلُ؟ قال: «الْـمسْجِدُ الْـحَرَامُ». قلت: ثم أَيُّ؟ قال: «الْـمسجِدُ الأقْصَى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أرْبَعُونَ سَنَةً» [متفق عليه]. وبَكَّة: من أسماء مكة على المشهور، قيل سُمِّيت بذلك لأنها تَبُكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى: يُبَكُّون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يَتَبَاكّون فيها، أي: يزدحمون. وقوله: ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله تعالى عَظَّمه وشرفه. ثم قال تعالى: ﴿ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ يعني: الذي لَـمَّا ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران؛ حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقال ابن عباس في قوله: ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ أي: فمنهُنَّ مقام إبراهيم والمشاعر. وقال مجاهد: أثرُ قدميه في المقام آيةٌ بينة. وقوله: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ يعني: حَرَمُ مكة إذا دَخَله الخائف يأمنُ من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، قال الله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]، وقال تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ﴿٣ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4].

وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا هذه آيةُ وُجُوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]. والأول أظهر. وقد وَرَدَت الأحاديثُ المتعددة بأنه أحدُ أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًّا، وإنما يجب على المكلَّف في العُمْر مَرّةً واحدة بالنص والإجماع. وقوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جَحَد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه. عن عمر بن الخطاب قال: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه مات يهوديًا أو نصرانيًا [رواه الإسماعيلي، وصحح إسناده ابن كثير].

الآية (98-99): هذا تعنيف من الله تعالى لكَفَرة أهل الكتاب، على عنادهم للحقِّ، وكُفرهم بآيات الله، وصَدِّهم عن سبيله مَنْ أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حقّ من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين، وما بَشَّرُوا به ونوَّهُوا، من ذِكْر النبي الأميّ الهاشمي العربي المكّيّ، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء. وقد تَوَعَّدَهُم الله تعالى على ذلك بأنه شهيد على صَنِيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومقابلتهم الرسول المُبشّر: بالتكذيب والجحود والعناد، وأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون.

الآية (100): يحذّر تعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله كما قال تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: 109].