الآية (94-96): حَذَّر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دَخَلًا، أي: خديعةً ومكرًا، لئلَّا تَزِل قَدَم بعد ثبوتها: مَثَلٌ لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزلَّ عن طريق الهدى، بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصدِّ عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غَدَر به، لم يَبْقَ له وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فانصدَّ بسببه عن الدخول في الإسلام؛ ولهذا قال: ﴿ وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ أي: لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عَرَض الحياة الدنيا وزينتها؛ فإنها قليلة، ولو حِيزَتْ لابن آدم الدنيا بحَذَافيرها لكان ما عند الله هو خير له، أي: جزاءُ الله وثوابه خيرٌ لمن رَجَاه وآمن به وطَلَبه، وحَفظ عهده رجاء موعوده؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.
﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ﴾ أي: يفرغ وينقضي؛ فإنه إلى أجل معدود محصور مُقدَّر مُتَناهٍ، ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ أي: وثوابه لكم في الجنة باقٍ لا انقطاع ولا نفاد له، فإنه دائم لا يحول ولا يزول، ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قسَمٌ من الرب عز وجل أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي: ويتجاوز عن سيئها.
الآية (97): هذا وعد من الله تعالى لـ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا ﴾ وهو العمل الـمُتَابِع لكتاب الله تعالى وسنة نبيِّه ﴿ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ﴾ من بني آدم، وقلبُه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله، بأن يُحْيِيَهُ الله ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عَمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهةٍ كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فَسَّروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب، أنه فسَّرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس وعِكْرِمة ووهب بن منبه. وقال الحسن وقتادة: لا يطيب لأحد الحياة إلا في الجنة. وقال الضحاك: هي العمل بالطاعة والانشراح بها.
والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كلَّه؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عَمرُو أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم ورُزِق كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه» ورواه مسلم.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يَظلِم المؤمن حسنةً؛ يُعْطَى بها في الدنيا، وَيُثَابُ عليها في الآخرة، وأما الكافر فيُعطِيه حسناته في الدنيا حتى إذا أَفضَى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُعطَى بها خيرًا» انفرد بإخراجه مسلم.
الآية (98-100): هذا أمر من الله لعباده على لسان نبيِّه ﷺ إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم. وهو أمرُ نَدْبٍ ليس بواجب، والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة: لئلا يُلَبِّسَ على القارئ قراءتَه ويُخَلِّطَ عليه، ويَمنَعه من التَّدَبُّر والتَّفكُّر، ولهذا ذَهَب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يُوقِعَهُم في ذنب لا يَتُوبُون منه، وقال آخرون: معناه لا حجة له عليهم.
﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ قال مجاهد: يُطِيعُونَه، وقال آخرون: اتَّخَذوه وليًّا من دون الله.
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ أي: أشركوه في عبادة الله تعالى، ويُحتَمل أن تكون الباء سببيةً، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى.
الآية (101-102): يُخبر تعالى عن ضَعف عقول المشركين وقِلَّة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصوَّر منهم الإيمان وقد كَتَبَ عليهم الشقاوةَ، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا للرسول: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ أي: كذَّاب. وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. فقال تعالى مجيبًا لهم: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ﴾ أي: جبريل ﴿ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق والعدل.
﴿ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَيُصَدِّقُوا بما نَزَل أولًا وثانيًا، وتُخْبِتَ له قلوبهم.
﴿ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ أي: وجعله هاديًا وبِشَارةً للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله.