الآية (95-97): يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي: يشقُّه في الثَّرى، فتنبت الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النَّوى؛ ولهذا فَسَّره بقوله: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾ أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت. وقوله: ﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾ معطوف على فالق الحب والنوى، وقد عبَّروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدِّية للمعنى، فمِن قائل: يُخرج الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، ومن قائل: يُخرج الولد الصالح من الكافر، والكافر من الصالح، وغير ذلك من العبارات التي تَنْتَظِمُهَا الآية وتشملها. ﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ﴾ أي: فاعل هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ فكيف تُصرَفون عن الحقِّ وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون مع الله غيره؟! ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ أي: خالق الضياء والظلام؛ كما قال في أول السورة: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [الأنعام:1] فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غُرَّةِ الصباح، فيُضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحلُّ الظلام، ويذهب الليل بِدَآدِئِه وظلام رِوَاقِه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، فبيَّن تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدَّالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ أي: ساجيًا مظلمًا تسكن فيه الأشياء. ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ﴾ أي: يجريان بحساب مُقَنَّنٍ مُقَدَّرٍ، لا يتغيَّر ولا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتَّب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولًا وقِصَرًا؛ كما قال : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾ [يونس: 5]. ﴿ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ ﴾ أي: الجميع جارٍ بتقدير العزيز الذي لا يُمَانَعُ ولا يُخَالَفُ ﴿ الْعَلِيمِ ﴾ بكل شيء، فلا يَعْزُبُ عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكَذَبَ على الله: أن الله جعلها زينةً للسماء، ورجومًا للشياطين، ويُهتدى بها في ظلمات البر والبحر. ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ ﴾ بيَّنَّاها ووضَّحناها ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يعقلون ويعرفون الحق ويجتنبون الباطل.
الآية (98-99): ﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ آدم عليه السلام. ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم: أي في الأرحام. قالوا -أو أكثرهم-: ﴿ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ أي: في الأصلاب. ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ أي: يفهمون ويَعُون كلام الله ومعناه. ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ أي بَقَدَرٍ مباركًا، رِزْقًا للعباد وغِيَاثًا للخلائق، رحمةً من الله لخلقه ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾؛ كَمَا قَالَ: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ [الأنبياء:30]، ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا ﴾ أي: زرعًا وشجرًا أخضر، ثم بعد ذلك يخلق فيه الحب والثمر؛ ولهذا قال: ﴿ نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا ﴾ أي: يركب بعضه بعضًا، كالسنابل ونحوها.
﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ ﴾ أي: جمع قِنوٍ وهي عُذُوق الرُّطَب ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ أي: قريبة من المتناول.
وقوله: ﴿ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ ﴾ أي: ونُخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف عند أهل الحجاز، وربما كانا خيار الثمار في الدنيا. ﴿ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾ قال قتادة وغيره: يتشابه في الورق، قريب الشكل بعضه من بعض، ويتخالف في الثمار شكلًا وطعمًا وطبعًا. ﴿ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ أي: نُضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، وقتادة، وغيرهم. أي: فكِّرُوا في قُدْرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حَطَبًا صار عِنبًا ورُطبًا وغير ذلك، مما خلق تعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ ﴾ أي: دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يصدِّقون به، ويتَّبعون رسله.
الآية (100): هذا ردٌّ على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا في عبادة الله أن عبدوا الجن، فجعلوهم شركاء الله في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم. فإن قيل: كيف عُبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ [الكهف:50].
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ﴾ أي: وقد خلقهم؛ فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يُعبَد معه غيره؟! كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿٩٥﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات: 95، 96] ومعنى الآية: أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق وحده؛ فلهذا يجب أن يُفْرَد بالعبادة وحده لا شريك له. ﴿ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يُنَـبِّه به تعالى على ضلال من ضلَّ في وصفه تعالى بأن له ولدًا، كما يزعم من قاله من اليهود في العُزير، ومن قاله من النصارى في المسيح، وكما قال المشركون من العرب في الملائكة: إنها بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. ومعنى قوله: ﴿ وَخَرَقُوا ﴾ أي: واختلقوا وائتفكوا، وتخرّصوا وكذبوا، كما قاله علماء السلف.
﴿ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبغي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك. ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ تقدَّس وتَنَزَّه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضَّالون من الأولاد والأنداد، والنُّظَراء والشركاء.
الآية (101): مبدع السموات والأرض وخالقهما ومُنشئهما ومُحدِثهما على غير مثال سبَق، كما قال مجاهد والسُّدِّي. ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾ أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟! أي: والولد إنما يكون متولّدًا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يُشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد. ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فبيَّن تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه، وهو الذي لا نظير له؟! وأنَّى يكون له ولد؟! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.