حجم الخط:

الآيات (96-103)

الآية (96): قال ابن عباس: صيده ما أخذه منه حيًا ﴿ وَطَعَامُهُ ما لفظه ميتًا. وكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله ابن عمر . ﴿ مَتَاعًا لَكُمْ أي: منفعة وقُوتًا لكم أيها المخاطبون ﴿ وَلِلسَّيَّارَةِ وهو جمع سَيَّار. قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر. وقد استدل جمهور العلماء على حِلّ ميتة البحر بهذه الآية الكريمة، وبما رواه جابر بن عبد الله قال: ...فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها: العنبر قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا نحن رسل رسول الله وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا...وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله فذكرنا ذلك له، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول الله منه فأكله. [رواه مسلم]. وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئًا. ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا أي: في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد.

[﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ واخشوا الله -أيها الناس واحذروه، بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم من النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم؛ فإن لله مصيركم ومرجعكم، فيعاقبكم بمعصيتكم إياه، ويجازيكم فيثيبكم على طاعتكم له.

الآية (97): ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ صيَّر الله الكعبة البيت الحرام قِوَامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قويَّهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم. ﴿ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ يقول: وجعل هذه أيضًا قيامًا للناس، كما جعل الكعبة قيامًا لهم، فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض، إذ لم يكن لهم قيامٌ غيره، وجعلها معالم لدينهم ومصالح أمورهم. وجعل تعالى الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قوامًا لمن كان يحرِّم ذلك من العرب ويعظمه، بمنزلة الرئيس الذي يقوم أمر تُبَّاعه. وأما الكعبة: فالحرم كله. ﴿ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول تعالى: صيَّرتُ لكم أيها الناس ذلك قيامًا، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث مما به قوامكم -علمًا منه بمنافعكم ومضاركم أنه كذلك يعلم جميع ما في السموات والأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم، ولتعلموا أنه بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم، وهو محصيها عليكم، حتى يجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته.

الآية (98): اعلموا أن ربكم الذي يعلم ما في السموات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها شديدٌ عقابُه على من عصاه وتمرّد عليه، وهو غفور لذنوب من أطاعه وأناب إليه، رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها.

الآية (99): هذا من الله تهديد لعباده ووعيد. يقول: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية. وغيرُ خفيٍّ علينا المطيعُ منكم القابلُ رسالتنا، من العاصي الآبي رسالتنا؛ لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به لسانه، وما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق. فمن كان كذلك لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس مما في السموات والأرض، وبيده الثواب والعقاب، فحقيق أن يُتَّقى، وأن يطاع فلا يُعصى] [1].

الآية (100): يقول تعالى لرسوله : ﴿ قُلْ يا محمد: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ أي: يا أيها الإنسان ﴿ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار. ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه، واقنعوا بالحلال واكتفوا به ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي: في الدنيا والآخرة.

الآية (101): هذا تأديب من الله لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها. وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها. ﴿ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء -التي نهيتم عن السؤال عنها- حين ينزل الوحي على الرسول تُبَيّن لكم، وذلك يسير. ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا أي: عما كان منكم قبل ذلك، [وعما] لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ .

الآية (102): أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قومٌ من قبلكم، فأُجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين، أي: بسببها؛ أنْ بُيّنَتْ لهم فلم ينتفعوا بها؛ لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنُّت والعناد.

الآية (103): عن سعيد بن المسيَّب قال: «البَحيرة»: التي يُمْنَعُ دَرُّها للطواغيت، فلا يَحْلبها أحد من الناس. و«السائبة»: كانوا يسيّبونَها لآلهتهم، لا يُحمل عليها شيء، قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله : «رأيت عمْرَو بن عامر الخزاعي يجُرّ قُصْبَه في النار، كان أول من سَيَّب السوائب». و«الوصيلة»: الناقة البكر، تُبَكّر في أول نتاج الإبل، ثم تثنّي بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إن وصلَت إحْدَاهما بالأخرى ليس بينهما ذكَر. و«الحام»: فحل الإبل يَضربُ الضرابَ المعدود، فإذا قضى ضِرَابه وَدَعُوه للطواغيت، وأعفَوه عن الحَمْل، فلم يُحْمَل عليه شيء، وسَمّوه الحامي [متفق عليه]. ﴿ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ أي: ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قُربة، ولكن المشركين افتروا ذلك، وجعلوه شرعًا لهم وقُربةً يتقربون بها إليه. وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبالٌ عليهم.