حجم الخط:

الآيات (96-104)

الآية (96-99): يقول تعالى مُخبرًا عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل؛ كما قال تعال: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [يونس:98] أي: ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس؛ فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب. وكذا قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا أي: آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدَّقَت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات؛ ﴿ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أي: قَطْر السماء ونبات الأرض. ﴿ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أي: ولكن كذَّبوا رسلهم، فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم. ثم قال تعالى مخوِّفًا ومحذِّرًا من مخالفة أوامره، والتجرِّي على زواجره: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أي: الكافرة، ﴿ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا أي: عذابنا ونَكَالُنا ﴿ بَيَاتًا أي: ليلًا ﴿ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿٩٧ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أي: في حال شُغْلِهِم وغفلتهم، ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخْذَهُ إياهم في حال سهوهم وغفلتهم ﴿ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ؛ ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله-: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشْفِق وَجِلٌ خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.

الآية (100): قال ابن عباس في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا : أَوَلَمْ نُبَيّن لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم. وكذا قال مجاهد وغيره. وقال ابن جرير: يقول تعالى: أَوَلَمْ نبيِّن للذين يُستَخْلَفون في الأرض من بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعَتَوا على ربهم، ﴿ أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يقول: أن لو نشاء فعَلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، ﴿ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ يقول: ونختم على قلوبهم، ﴿ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ موعظةً ولا تذكيرًا.

وهكذا قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىٰ [طه:128]، وقال تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [مريم:98]، أي: هل ترى لهم شخصًا أو تسمع لهم صوتًا؟! وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام:10] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نِقَمِه بأعدائه، وحصول نعمه لأوليائه.

الآية (101-102): لَـمَّا قَصَّ تعالى على نبيّه خبر قوم نوح، وهود وصالح ولوط وشعيب، وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذَر إليهم بأن بيَّن لهم الحق بالحُجَج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ أي: يا محمد ﴿ مِنْ أَنْبَائِهَا أي: من أخبارها، ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ أي: بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

وقوله تعالى: ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ الباء سببية، أي: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحقِّ أوَّلَ ما وَرَد عليهم. حكاه ابن عطية رحمه الله- وهو مُتَّجه حَسَنٌ؛ كقوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠٩ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:109-110]؛ ولهذا قال هنا: ﴿ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ أي: لأكثر الأمم الماضية ﴿ مِنْ عَهْدٍ ۖ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ أي: ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه هو ما جَبَلهم عليه وفَطَرهم عليه، وأخذ عليهم في الأصلاب: أنه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، وأقرُّوا بذلك، وشَهِدوا على أنفسهم به، فخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعَبَدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة، لا من عقل ولا شرع، وفي الفِطَر السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أوَّلهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك؛ كما جاء في صحيح مسلم: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حُنَفَاء، فجاءتهم الشياطين فاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحَرّمَتْ عليهم ما أحلَلْتُ لهم». وفي الصحيحين: «كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه» الحديث. وقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، إلى غير ذلك من الآيات.

الآية (103): يقول تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ أي: الرسل المتقدِّم ذكرهم؛ كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين، ﴿ مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أي: بحُجَجنا ودلائلنا البيِّنة ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وهو مَلِك مصر في زمن موسى، ﴿ وَمَلَئِهِ أي: قومه، ﴿ فَظَلَمُوا بِهَا أي: جَحَدوا وكفروا بها ظلمًا منهم وعنادًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]. ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي: الذين صَدُّوا عن سبيل الله وكذَّبوا رسله؛ أي: انظر -يا محمد- كيف فعلنا بهم، وأغرقناهم عن آخرهم، بمرأَى من موسى وقومه. وهذا أبلَغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفَى لقلوب أولياء الله موسى وقومه من المؤمنين به.

الآية (104): يُخبر تعالى عن مُناظرة موسى لفرعون، وإلجامه إيَّاه بالـحُجَّة، وإظهاره الآيات البيِّنات بحضرة فرعون وقومه من قِبْط مصر، فقال تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أي: أرسلَني الذي هو خالقُ كل شيء وربُّه ومليكه.