الآية (98-99): لَـمَّا بناه ذو القرنين ﴿ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ﴾ أي: بالناس؛ حيث جَعَل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلًا يمنعهم من العَيث في الأرض والفساد، ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي ﴾ أي: إذا اقترب الوَعْد الحقّ، ﴿ جَعَلَهُ دَكَّاءَ ﴾ أي: سَاوَاه بالأرض. وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ [الأعراف:143] أي: مساويًا للأرض. ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴾ أي: كائنًا لا محالة. ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ ﴾ أي: الناس يومئذٍ أي: يوم يُدَكُّ هذا السَّدّ، ويَخرج هؤلاء فيَمُوجُون في الناس، ويُفسِدُون على الناس أموالهم، ويُتْلِفُون أشياءهم، وهذا كلُّه قبل يوم القيامة وبعد الدجال. ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ قال ابن زيد: هذا أول يوم القيامة، ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ﴾ على أثر ذلك ﴿ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴾. وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ أي: يوم القيامة يختلط الإنس والجن. وقوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ﴾: والصُّور كما جاء في الحديث: «قرن ينفخ فيه» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر] والذي يَنفُخ فيه إسرافيل عليه السلام، وفي الحديث: «كيف أَنْعَمُ، وصاحب القَرْن قد الْتَقَم القرن، وحَنَى جبهته واستمع متى يُؤْمَرُ». قالوا: كيف نقول؟ قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» [رواه أحمد، وصححه الألباني].
﴿ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴾ أي: أَحضَرْنا الجميع للحساب.
الآية (100-102): يقول تعالى مُخبرًا عمَّا يفعله بالكفار يوم القيامة: أنه يَعرِض عليهم جَهَنَّم، أي: يُبْرِزُها لهم ويُظهِرها، ليَرَوْا ما فيها من العذاب والنَّكال قبل دخولها، ليكون ذلك أَبلَغ في تعجيل الهمِّ والحزن لهم، وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». ثم قال مخبرًا عنهم: ﴿ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي ﴾ أي: تَعَامَوا وتَغَافَلُوا وتَصَامُّوا عن قبول الهدى واتباع الحق، ﴿ وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه.
﴿ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ﴾ أي: اعتقدوا أنهم يصحُّ لهم ذلك، وينتفعون به؟! ﴿ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ [مريم:82]؛ ولهذا أخبر أنه قد أعدَّ لهم جهنم يوم القيامة منزلًا.
الآية (103-106): عن سعد بن أبي وقاص: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾: هم اليهود والنصارى [رواه البخاري]. وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية. ومعنى هذا عن علي: أن هذه الآية الكريمة تَشمَل الحرورية كما تَشمَل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نَزَلَت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعَمُّ من هذا؛ فإن هذه الآية مَكية قبل خِطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكُلِّية، وإنما هي عامة في كل مَن عَبَدَ الله على غير طريقة مَرْضِيَّة يَحْسَبُ أنه مُصِيبٌ فيها، وأن عَمَله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود؛ كما قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴿٢﴾ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴿٣﴾ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً ﴾ [الغاشية:2-4].
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ﴾ أي: نُخبِرُكم ﴿ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾؟ ثم فَسَّرَهم فقال: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي: عَملُوا أعمالًا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ أي: يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون مَحْبُوبُون.
وقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ ﴾ أي: جَحَدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته، وصِدْق رُسله، وكذَّبوا بالدار الآخرة، ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ أي: لا نُثَقِّل موازينهم؛ لأنها خَالية عن الخير. عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة» وقال: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا ﴾ أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هُزُوًا، استهزؤوا بهم، وكذَّبُوهم أشدَّ التكذيب.
الآية (107-108): يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وصَدَّقوهم فيما جاؤوا به، بأن لهم جنات الفردوس. قال مجاهد: الفردوس: هو البستان بالرومية، وقال قتادة: الفردوس: رَبْوَةُ الْـجَنَّة وأَوْسَطُها وأَفْضَلُهَا، وفي الصحيحين: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تُفَجَّرُ أنهار الجنة». وقوله: ﴿ نُزُلًا ﴾ أي: ضيافةً؛ فإن النُّزُلَ هو الضيافة. وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها، لا يظعنون عنها أبدًا، ﴿ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴾ أي: لا يختارون غيرها، ولا يُحبُّون سِواها. وفي قوله: ﴿ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴾ تنبيه على رغبتهم فيها، وحُبِّهم لها، مع أنه قد يُتَوَهَّم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه يَسَأَمُه أو يَمَلُّه، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا يختارون عن مقامهم ذلك مُتَحَوَّلًا ولا انتقالًا ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلًا.
الآية (109): يقول تعالى: قل يا محمد: لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي تُكتب به كلمات الله وحِكَمه وآياته الدالة عليه ﴿ لَنَفِدَ الْبَحْرُ ﴾ قبل أن يَفْرَغ من كتابة ذلك، ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ ﴾ أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهَلُمَّ جَرّا، ﴿ مَدَدًا ﴾ بُحُورٌ تَمُدُّهُ ويُكْتَبُ بها، لَـمَا نَفِدَتْ كلمات الله. قال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها. يقول: لو كانت تلك البحور مدادًا لكلمات الله، والشجر كُلُّه أقلام، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يُفنيها شيء!
الآية (110): يقول لرسوله محمد ﷺ: ﴿ قُلْ ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: ﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ فمن زَعَمَ أني كاذب فليأتِ بمثل ما جئتُ به؛ فإني لا أَعلَمُ الغيبَ فيما أخبرتُكم به من الماضي مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه، وإنما أُخبركم ﴿ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ ﴾ الذي أدعوكم إلى عبادته ﴿ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ ﴾ لا شريك له، ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾ أي: ثوابَه وجزاءَه الصالح، ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ وهو ما كان مُوَافِقًا لشَرْع الله، ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ وهو الذي يُرَاد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان رُكْنَا العمل الـمُتَقَبَّلِ: لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابًا على شريعة رسول الله ﷺ؛ عن أبي هريرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «قال الله عز وجل: أنا خيرُ الشركاء، من عمل لي عملا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريءٌ، وهو للذي أشرك» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر].