تفسير السورة التي يُذكر فيها الماعون
وهي مكية، [وعدد آياتها (7) آيات].
الآية (1-7): يقول تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ يا محمد ﴿ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ وهو: المعاد والجزاء والثواب، ﴿ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ أي: هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حَقَّه، ولا يُطْعِمُه ولا يُحْسِن إليه، ﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بِأَوْدِه وكفايته. ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني المنافقين؛ الذين يُصَلُّون في العلانية ولا يُصَلُّون في السر. ولهذا قال: ﴿ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ أي: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ﴿ سَاهُونَ ﴾: إما عن فِعْلها بالكلية؛ كما قاله ابن عباس، وإما عن فِعْلها في الوقت المقدَّر لها شرعًا، فيُخْرِجُها عن وقتها بالكلية؛ كما قاله مسروق وأبو الضحى، وقال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: ﴿ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ ولم يقل: في صلاتهم ساهون، وإما عن وقتها الأول فيُؤخِّرُونها إلى آخره دائمًا أو غالبًا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها؛ فاللفظ يَشْمَل هذا كلَّه، ولكل من اتَّصَفَ بشيء من ذلك قِسْطٌ من هذه الآية. ومن اتَّصَفَ بجميع ذلك فقد تَمَّ نصيبه منها، وكَمُلَ له النفاق العملي. كما ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان قام فَنَقَرَ أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» [رواه مسلم]. فهذا أخَّر صلاة العصر -التي هي الوسطى كما ثبت به النص- إلى آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنَقَرَها نَقْر الغراب، لم يَطْمَئِنَّ ولا خَشَع فيها أيضًا ولهذا قال: «لا يذكر الله فيها إلا قليلا»، ولعله إنما حَمَلَه على القيام إليها مراءاة الناس لا ابتغاء وجه الله، فهو كما إذا لم يُصَلِّ بالكلية؛ قال تعالى: ﴿ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﴾ [النساء:142]، وقال ههنا: ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾.
﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ أي: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما يُنتفَع به ويُستَعان به، مع بقاء عَيْنِه ورجوعه إليهم. فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القُرُبات أولى وأولى. قال عكرمة: رأس الماعون: زكاةُ المال، وأدناه: الـمُنْخُل، والدلو، والإبرة. وهذا الذي قاله عِكرمة حَسَن، ويرجع إلى شيء واحد. وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة.