وهي مكية، [وعدد آياتها (30) آيةً].
الآية (1-14): أما الفجر فمعروف، وهو: الصبح. قاله عليٌّ وابن عباس ومجاهد وعكرمة والسُّدِّي. وعن مسروق ومجاهد ومحمد ابن كعب: فجر يوم النحر خاصةً، وهو خاتمة الليالي العشر. وقيل: المراد بذلك الصلاة التي تُفعل عنده، كما قاله عكرمة. وقيل: المراد به جميع النهار. وهو رواية عن ابن عباس. والليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير وغير واحد من السلف والخلف، وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام» -يعني عشر ذي الحجة -قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء». وقيل: المراد العشر الأُوَل من المحرم. والصحيح القول الأول. ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ قيل: الوتر يوم عرفة، لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر. قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضًا. وقال الحسن وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع، ووتر، أقسم تعالى بخلقه. وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وغيرهما: هي الصلاة، منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب، فإنها ثلاث، وهي وتر النهار. وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل. ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال.
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ قال: ابن عباس: أي إذا ذَهَب. وقال ابن الزبير: يُذْهِب بعضُه بعضًا. وقال مجاهد وأبو العالية وقتادة وآخرون: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾: إذا سار. وهذا يمكن حَمْله على ما قاله ابن عباس، أي: ذَهَب. ويُحتَمَل أن يكون المراد إذا سار، أي: أقبل. وقد يُقَال: إن هذا أَنْسَب؛ لأنه في مقابلة قوله: ﴿ وَالْفَجْرِ ﴾؛ فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حُمِل قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ على إقباله كان قَسَمًا بإقبال الليل وإدبار النهار وبالعكس. وقال الضحاك: ﴿ إِذَا يَسْرِ ﴾ أي: يجري. وقال عكرمة: يعني ليلة جَمْع. ﴿ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ أي: لذي عَقْل ولُبٍّ وحِجًا ودِين، وإنما سُمِّي العقل حِجْرًا لأنه يَمنَع الإنسان من تَعَاطِي ما لا يَلِيق به من الأفعال والأقوال، وهذا القَسَم هو بأوقات العِبَادة، وبنفس العبادة من حَجٍّ وصلاة وغير ذلك.
ولَـمَّا ذَكر هؤلاء وعبادتَهم وطاعتَهم قال بعده: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ وهؤلاء كانوا متمرِّدين عتاةً جبَّارين، خارجين عن طاعته مكذِّبين لرسله، جاحدين لكتبه، فذَكَر تعالى كيف أَهْلَكَهم ودَمَّرَهم، وجعلهم أحاديث وَعِبَرًا، فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦﴾ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾ وهؤلاء عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عَوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق. وهم الذين بَعَثَ الله فيهم رسوله هودًا عليه السلام، فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم، وأهلكهم بريح صرصر عاتية. فقوله تعالى: ﴿ إِرَمَ ﴾: عطف بيان؛ زيادة تعريف بهم. ﴿ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشَّعَر التي تُرفَع بالأعمدة الشِّدَاد، وقد كانوا أشدَّ الناس في زمانهم خِلْقَة وأقواهم بطشًا. ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾ أي: القبيلة التي لم يُخْلَق مثلها في بلادهم، لقوَّتهم وشِدَّتهم وعِظَم تركيبهم. قال مجاهد: إِرَم: أمة قديمة. يعني: عادًا الأولى، كما قال قتادة بن دعامة والسُّدِّي: إن إرم بيت مملكة عاد. وهذا قول حسن جيد قوي. وقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: ﴿ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾: كانوا أهل عمود لا يقيمون. وقال ابن عباس: إنما قِيل لهم: ﴿ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾ لطولهم. واختار الأول ابنُ جرير، وردَّ الثاني فأصاب. ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾ أعاد قتادة وابن جرير الضمير على القبيلة، أي: لم يُخْلَق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم. وهذا القول هو الصواب. قلت: فعلى كل قول سواء كانت العِمَاد أبنيةً بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحًا يقاتلون به، أو طول الواحد منهم؛ فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما ههنا، والله أعلم. ﴿ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﴾ يعني يقطعون الصخر بالوادي، قال ابن عباس ينحتونها ويخرقونها، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. وقال الله تعالى: ﴿ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﴾ [الشعراء:149].
﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾ قال ابن عباس: الأوتاد: الجنود الذين يَشُدُّون له أمره. وقال مجاهد: كان يُوتِدُ الناس بالأوتاد. وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسُّدِّي. ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴿١١﴾ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ أي: تَـمَرَّدوا وعَتَوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذيَّة للناس، ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ أي: أَنزَل عليهم رِجْزًا من السماء، وأَحَلَّ بهم عقوبةً لا يَرُدْها عن القوم المجرمين. ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى. أي: يَرْصُدُ خلقَه فيما يعملون، ويُجازي كلًّا بسَعيه في الدنيا والأخرى.
الآية (15-20): يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وَسَّع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له، وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان. وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضَيَّق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له.
قال الله: ﴿ كَلَّا ﴾ أي: ليس الأمر كما زَعَم، لا في هذا ولا في هذا؛ فإن الله يُعطِي المال مَن يُحِب ومن لا يُحِب، ويُضَيِّق على من يُحِب ومن لا يُحِب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيًّا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر.
﴿ بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ فيه أمر بالإكرام له، ﴿ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويَحُثُّ بعضهم على بعض في ذلك، ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ ﴾ يعني: الميراث ﴿ أَكْلًا لَمًّا ﴾ أي: من أي جهة حَصَل لهم، من حَلال أو حرام، ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ أي: كثيرًا، زاد بعضهم: فاحِشًا.
الآية (21-22): ﴿ كَلَّا ﴾ أي: حَقًّا ﴿ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ أي: وُطِئَتْ ومُهِّدَتْ وسُوِّيَت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربِّهم، ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ لفَصْل القضاء بين خَلْقِه، فيَجِيء الربُّ تعالى لفَصْل القضاء كما يشاء، والملائكة يَجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.
الآية (23): ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤْتَى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يَجُرُّونها» [رواه مسلم]. ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ ﴾ أي: عَمَلَه وما كان أَسْلَفَه في قديم دهره وحديثه.
﴿ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ ﴾ أي: وكيف تنفعه الذكرى؟!
الآية (24-30): ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ يعني: يندم على ما كان سَلَفَ منه من المعاصي إن كان عاصيًا، ويَوَدُّ لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعًا. ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ﴾ أي: ليس أحد أشَدَّ عذابًا من تعذيب الله مَن عصاه، ﴿ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ أي: وليس أحدٌ أشَدَّ قبضًا ووَثْقًا من الزبانية لمن كَفَر بربهم عز وجل.
هذا في حقِّ المجرمين من الخلائق والظالمين، فأمَّا النفس الزَّكِيَّة المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيُقال لها: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ ﴾ إلى جواره وثوابه وما أَعَدَّ لعباده في جنَّته ﴿ رَاضِيَةً ﴾ في نفسها ﴿ مَرْضِيَّةً ﴾ قد رَضِيَتْ عن الله ورَضِيَ عنها وأرضاها، ﴿ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴾ في جملتهم، ﴿ وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾. وهذا يُقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشِّرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره.