حجم الخط:

تفسير سورة الفيل

وهي مكية، [وعدد آياتها (5) آيات].

الآية (1-5): هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صَرَفَ عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عَزَمُوا على هَدْم الكعبة ومَحْو أَثَرِها من الوجود، فأَبَادَهم الله، وأَرْغَمَ آنافهم، وخَيَّبَ سعيهم، وأضَلَّ عملهم، وَرَدَّهم بِشَـرِّ خَيْبَة. وكانوا نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أَقْرَبَ حالًا ممَّا كان عليه قريش من عبادة الأوثان. ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتَّوْطِئة لِـمَبْعَثِ رسول الله ؛ فإنه في ذلك العام وُلِدَ على أشهر الأقوال، ولسان حال القُدْرة يقول: لم نَنْصُـرْكُم -يا معشـر قريش- على الـحَبَشَة لِـخَيْرِيَّتِكم عليهم، ولكن صِيَانةً للبيت العتيق الذي سَنُشَـرِّفُه ونُعَظِّمُه ونُوَقِّرُه بِبَعْثَة النبي الأمي محمد خاتم الأنبياء.

قال ابن هشام: الأبابيل: الجماعات، ولم تَتَكَلَّم العرب بواحده. قال: وأما السجيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سَنْجُ وَجِلُّ يعني بالسنج: الحجر، والجِلُّ: الطين. يقول: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال: والعصفُ: ورقُ الزرع الذي لم يُقضب، واحدته عصفة. انتهى ما ذكره. وقال ابن عباس والضحاك: أبابيل يَتْبَعُ بعضها بعضًا. وقال الحسن وقتادة: الأبابيل: الكثيرة. وقال مجاهد: أبابيل: شتى متتابعة مجتمعة. وقال ابن زيد: الأبابيل: المختلفة، تأتي من ههنا، ومن ههنا، أتتهم من كل مكان.

وعن ابن عباس: ﴿ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال: طين في حجارة.

﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قال سعيد بن جبير: يعني التِّبْن الذي تُسمِّيه العامة: هبور. وفي رواية عن سعيد: وَرَق الـحِنْطَة. وعنه أيضًا: العَصْف: التِّبْن. والمأكول: القصيل يُجَزُّ للدواب. وكذلك قال الحسن. وعن ابن عباس: العَصْف: القِشْرَة التي على الـحَبَّة، كالغلاف على الـحِنْطَة. والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أهلكهم ودمَّرَهم، ورَدَّهم بكَيْدهم وغَيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلَكَ عامَّتهم، ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما جَرَى لِـمَلِكِهم أَبَرْهَة؛ فإنه انصدع صَدْرُه عن قلبه حين وَصَلَ إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جَرَى لهم، ثم مات.

ولَـمَّا أطل رسول الله يوم الحديبية على الثنية -التي تهبط به على قريش- بَرَكَتْ ناقته، فزَجَرُوها فألـحَّت، فقالوا: خَلَأَتْ القصواء، أي: حَرَنت. فقال رسول الله : «ما خَلَأَت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حَبَسَها حابس الفيل». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خُطَّةً يُعَظِّمُون فيها حُرُمات الله، إلا أجبْتُهم إليها» ثم زَجَرَها فقامت [رواه البخاري].

وقال يوم فتح مكة: «إن الله حَبَسَ عن مكةَ الفيلَ، وسَلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإنه قد عادَت حُرمَتُها اليوم كحُرمَتها بالأمس، ألا فلْيُبَلِّغ الشاهد الغائب» [متفق عليه].