وهي مكية، [وعدد آياتها (5) آيات].
الآية (1-5): يُخْبِر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان:3] وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة:185]. قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآنَ جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا، ثم نَزَلَ مفصَّلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ.
ثم قال تعالى مُعَظِّمًا لشأن ليلة القدر، التي اختصَّها بإنزال القرآن العظيم فيها، فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿ ٢ ﴾ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ قال مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر. وهكذا قال قتادة والشافعي وغير واحد. وقال عمرو بن قيس الملائي: عَمَلٌ فيها خير من عَمَل ألف شهر. وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر- وليس فيها ليلة القدر- هو اختيارُ ابن جرير. وهو الصواب لا ما عداه. ولَـمَّا كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثَبَتَ عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه» [متفق عليه].
﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ أي: يَكْثُرُ تَنَزُّلُ الملائكة في هذه الليلة لكَثْرة بَرَكَتِها، والملائكة يَتَنَزَّلون مع تَنَزُّل البركة والرحمة، كما يَتَنَزَّلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحِلَق الذِّكْر، ويضعون أجنحتهم لطالب العِلْم بصِدْق تعظيمًا له. وأما الرُّوح فقيل: المراد به ههنا جبريل عليه السلام، فيكون من باب عطف الخاص على العام. وقيل: هم ضَرْبٌ من الملائكة. والله أعلم.
﴿ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ قال مجاهد: سلام هي من كل أمر. وقال: هي سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سُوءًا أو يَعمَل فيها أذًى. وقال قتادة وغيره: تُقضَى فيها الأمور، وتُقَدَّر الآجال والأرزاق؛ كما قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان:4].
﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ عن الشعبي قال: تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد، حتى يطلع الفجر. قال قتادة وابن زيد: ﴿ سَلَامٌ هِيَ ﴾ يعني: هي خير كلها، ليس فيها شَرٌّ، إلى مطلع الفجر.
اختلف العلماء: هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة، أو هي من خصائص هذه الأمة؟ على قولين، ثم قيل: ليلة إحدى وعشرين، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين [وقيل غير ذلك]، وقيل: إنها تكون ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ: «أنها ليلة سبع وعشرين». وروي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر، ونص عليه مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو بكر بن خزيمة، وغيرهم، وهو الأشبه والله أعلم.