حجم الخط:

تفسير سورة المزمل

وهي مكية، [وعدد آياتها (20) آية].

الآية (1-9): يأمر تعالى رسوله أن يترك التزَمُّل -وهو: التغطي في الليل- وينهض إلى القيام لربه عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16]. وكذلك كان رسول الله ممتثلًا ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجبًا عليه وحده، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]. وههنا بيَّن له مقدار ما يقوم، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا . قال ابن عباس والضحاك: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يعني: يا أيها النائم. وقال قتادة: المزمل في ثيابه. وقال إبراهيم النَّخعيّ: نَزَلت وهو مُتَزَمل بقطيفة. قوله: ﴿ نِصْفَهُ بدل من الليل، ﴿ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك. قوله: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا أي: اقرأه على تمهل؛ فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه. في صحيح البخاري عن أنس أنه سُئل عن قراءة رسول الله ، فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا قال الحسن وقتادة: أي العمل به. وقيل: ثقيلٌ وقت نزوله؛ من عظمته. واختار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معًا. كما قال عبد الرحمن بن زيد: كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين. ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا عن ابن عباس: نشأ: قام، بالحبشة. وقال عمر وابن عباس: الليل كله ناشئة. والغرض: أن ناشئة الليل هي: ساعاته وأوقاته، وكل ساعة منه تسمى ناشئة، وهي الآنات. والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة؛ ولهذا قال: ﴿ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهُّمها من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس ولَغَط الأصوات وأوقات المعاش. ﴿ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا قال ابن عباس وعكرمة: الفراغ والنوم. وقال أبو العالية: فراغًا طويلًا. وقال قتادة: فراغًا وبُغية ومُنْقَلبًا. وقال السُّدي: ﴿ سَبْحًا طَوِيلًا تطوعًا كثيرًا. وقال عبد الرحمن بن زيد في قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا قال: لحوائجك، فَأفْرغ لدينك الليل. ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا أي: أكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك، وما تحتاج إليه من أمور دنياك؛ كما قال: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ [الشرح:7] أي: إذا فرغت من مهامك فانصب في طاعته وعبادته، لتكون فارغَ البال. قال ابن عباس: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا أي: أخلص له العبادة. وقال الحسن: اجتهد وبتّل إليه نفسك. وقال ابن جرير: يقال للعابد: متبتل، ومنه الحديث المروي: أنه نهى عن التَّبتُّل [رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الألباني]، يعني: الانقطاع إلى العبادة وترك التزوج. ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل، ﴿ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا كما قال في الآية الأخرى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] وآيات كثيرة في هذا المعنى فيها الأمر بإفراد العبادة والطاعة لله، وتخصيصه بالتوكل عليه.

الآية (10-19): يقول تعالى آمرًا رسوله بالصبر على ما يقوله من كذَّبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا؛ وهو الذي لا عتاب معه. ثم قال له متوعدًا لكفار قومه ومتهددًا -وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء-: ﴿ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ أي: دعني والمكذبين المترفين أصحابَ الأموال؛ فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم، ﴿ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا أي: رويدًا؛ كما قال: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:24]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وهي: القيود. قاله ابن عباس، ﴿ وَجَحِيمًا وهي السعير المضطرمة ﴿ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج، ﴿ وَعَذَابًا أَلِيمًا . ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ أي: تزلزل، ﴿ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا أي: تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفًا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض ﴿ ؛ أي: واديًا، ﴿ [طه:106-107] أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع. ثم قال مخاطبًا لكفار قريش، والمراد سائر الناس: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ أي: بأعمالكم، ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴿١٥ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا قال ابن عباس وقتادة: ﴿ أَخْذًا وَبِيلًا أي: شديدًا؛ أي: فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعونَ، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ [النازعات:25]، وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران. ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا يحتمل أن يكون ﴿ يَوْمًا معمولًا لـ﴿ تَتَّقُونَ ، كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود: «فكيف تخافون أيها الناس يومًا يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به»؟! ويحتمل أن يكون معمولًا لـ﴿ كَفَرْتُمْ ، فعلى الأول: كيفَ يحصلُ لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟! وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟! وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى. ومعنى قوله: ﴿ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله؛ وذلك حين يقول الله لآدم: ابعث بعثَ النار. فيقول مِن كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة [متفق عليه]. ﴿ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ قال الحسن وقتادة: أي: بسببه من شدته وهوله، ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا أي: كان وعد هذا اليوم مفعولًا؛ أي: واقعًا لا محالة، وكائنًا لا محيد عنه. ﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أي: السورة ﴿ تَذْكِرَةٌ أي: يتذكر بها أولو الألباب. ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا أي: فمن شاء الله هدايته، كما قيده في السورة الأخرى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30].

الآية (20): ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ أي: تارة هكذا، وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أي: تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا. ﴿ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي: الفرض الذي أوجبه عليكم ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أي: من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر. وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ أي: بقراءتك، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا [الإسراء:110]. وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية، أجزأه؛ واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: أن رسول الله قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل، من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله. وهذه الآية -بل السورة كلها- مكية، ولم يكن القتال شُرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة؛ لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة. ولهذا قال: ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ أي: قوموا بما تيسر عليكم منه. ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة. وقد قال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نَسَخت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولًا من قيام الليل. ﴿ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يعني: من الصدقات؛ فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره.

﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا أي: جميع ما [تقدمونه] بين أيديكم فهو لكم حاصل، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا. قال: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها؛ فإنه غفور رحيم لمن استغفره.